الموضوعية تبني

الموضوعية تبني
المصدر: سمير عطا الله

قد تبدو هذه النظرة سطحية، لكنني مقتنع بأن الموضوعية شرط لقيام الأمم ونجاح الأفراد والمؤسسات. لا يمكن أن تحقق شيئا إذا كنت لا ترى في الدنيا سواك. التنوع ليس إرادتك وإرادتي بل هو مشيئة خالق لا يجديه ولا يحدّه فكر ولا كون ولا رؤية ولا أحد ولا شيء. قاعدة الخلق بشر بيض وبشر سود وبشر حمر ونحو ملياري صيني.. وقاعدته نحو عشرة آلاف لغة ولسان.

الموضوعية تقتضي، أو بالأحرى تساعدك، على فهم الإرادة الإلهية وعلى تفهم سبب وجودك وعلى إدراك الحكمة من عظمة الخلائق. تستطيع أن ترفض أشياء كثيرة لكن إرادة العزة الإلهية فوق رفضك وقبولك. أنت مجرد ذرة في كون معطى. ولقد أُعطيت العقل والإدراك لتعرف أن لهذا الكون خالقا واحدا ومخلوقات كثيرة، أنت أحدها، لا واحدها.

لكي تعيش الحياة الكبرى والحياة الصغرى، يجب أن تكون موضوعيا. عندها تتعلم كيف تتعايش وكيف تعيش مع المخلوقات والكائنات والفصول والطبيعة التي وجدت نفسك فيها، لا تملك لحظة قدومك ولا لحظة غيابك.

التنوع وحده يبني الإمبراطوريات. روما استفادت من جميع أراضيها وجميع أهلها، وحتى أباطرتها جاءوا من الخارج. وباريس الأدبية صنعها في الغالب رجال من خارج فرنسا. وأميركا تبحث عن العلماء في أنحاء الأرض من مصر إلى مالي إلى لبنان. ولا تطرح عليهم سؤالا واحدا عدا الكفاءة المهنية.

كبرت لأنها دولة موضوعية، تحارب الألمان كجنود وتغمرهم كعلماء. وفرنسا (واليابان) جعلت اللبناني كارلوس غصن أكبر صناعييها، والآن عينت فنلندا لبنانيا رئيسا لشركة نوكيا، ثروتها الوطنية الأولى. لم تجد في ذلك إهانة لتراثها العلمي. لم تجد ثاتشر إهانة للإمبراطورية في الاستعانة بمستشارين أميركيين.

عندما تكون موضوعيا تعرف أين مواطن الضعف وأين تطلب عناصر التقوية. أنت وحدك لا تملك كل شيء ولا يمكن أن تكون كل شيء. يجب أن تملك الحد الأدنى من الوعي لكي تعرف أن الآخر ليس عدوّا دائما. وأن الذي صنع الازدهار في العصر العباسي وزمن الأندلس هو الموضوعية. وأن نتذكر أن الموضوعية جعلت الغرب يفيد من ابن سينا وابن خلدون وابن رشد. أيسلندا دولة صافية العرق. ولا يخرج منها شاعر أو عالم أو فنان كبير. مناخها يرفض الآخر، والرفض انتحار بطيء.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث