وبايدن أيضاً بعد أوباما!

وبايدن أيضاً بعد أوباما!
المصدر: الياس حرفوش

يروي السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد في مقال نشره قبل يومين في جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية أنه للمرة الأولى منذ انطلاق الثورة السورية قامت جماعات من المعارضة المعتدلة نهار الجمعة الماضي بإحراق العلم الأميركي خلال إحدى تظاهراتها التي خرجت احتجاجاً على قصف الطائرات الأميركية مواقع المعارضة في شمال سورية، بينما تجاهلت هذه الطائرات مواقع النظام في حملتها على ما تسميه الحرب على الإرهاب في سورية.

كيف انتهى الأمر بمقاتلي المعارضة السورية إلى إحراق علم البلد الذي كانوا يعتبرونه حليفاً بعد أن وعدهم رئيسه في أكثر من مناسبة بإنقاذهم من النظام الذي قتل عشرات الآلاف منهم ودمر الجزء الأكبر من بلدهم؟

هؤلاء المعارضون لا يمانعون أن تقصف الطائرات الأميركية مواقع «داعش»، التنظيم الذي سرق ثورتهم وشوّه أهدافها، نتيجة الجرائم والأعمال الوحشية التي يرتكبها. اعتراضهم ليس على القضاء على هذا التنظيم، لكنهم يعترضون على حالة العمى التي أصابت إدارة باراك أوباما. فهم لا يجدون فرقاً بين أعمال التهجير والذبح التي يرتكبها تنظيم «داعش» في مناطق نفوذه وتلك التي ارتكبها النظام السوري ولا يزال في حق معارضيه. ما هو الفرق، في نظر هؤلاء، بين ذبح عامل الإغاثة البريطاني آلان هيننغ بسكين أحد مقاتلي «داعش» الذي قيل إنه «الجهادي جون» البريطاني الجنسية، وذبح الشاب السوري إبراهيم قاشوش واقتلاع حنجرته ورمي جثته في نهر العاصي بعد تشويهها؟ وما الفرق بين إقدام إرهابيي «داعش» على تهجير المسيحيين والإيزيديين والشيعة وسواهم من الأقليات من مناطق نفوذ التنظيم في شمال العراق ومن المناطق السورية ذات الغالبية الكردية المتاخمة للحدود التركية وما يقوم به النظام السوري من أعمال تهجير على أوسع نطاق لسكان المناطق المعارضة، الذين بات عددهم يقارب ربع الشعب السوري، في أقل تقدير، والذين أصبحوا لاجئين في المخيمات أو في العراء، وعبئاً على دول وشعوب الجوار، في لبنان وتركيا والأردن وسواها؟

بحّت أصوات كثيرة، من قادة وسياسيين ومعلّقين من مختلف دول المنطقة، منذ بداية الأحداث في سورية في ربيع العام 2011 وهي تدعو إدارة أوباما إلى حزم أمرها ومساعدة حكومات هذه الدول ودعم المعارضة السورية بما يلزمها لوقف جرائم النظام السوري. يومها لم يكن في صفوف المعارضة «داعشيون» أو «جبهة نصرة». كانت الأكثرية من الضباط والجنود الذين انشقوا عن الجيش النظامي وأرادوا قيام نظام في بلدهم يحمي حقوق أبنائه على اختلاف اتجاهاتهم الحزبية وانتماءاتهم الدينية والمذهبية، نظام يضع حقوق المواطنة فوق حقوق الطائفة، على عكس ما هي الحال في «سورية الأسد».

هؤلاء المعارضون المعتدلون الذين كانوا يطمحون إلى قيام سورية جديدة على أنقاض نظام القمع الطائفي هم الذين لم يجد أوباما أوصافاً لإهانتهم سوى قوله عنهم إنهم «مجموعة من الأطباء والمزارعين والصيادلة السابقين وما إلى ذلك…» وعندما انتهى أصحاب المهن «الحقيرة» هؤلاء (في نظر أوباما) إلى الفشل، حلّ محلهم السفاحون والإرهابيون الذين كانوا هم أيضاً في نظر أوباما «فريقاً من الهواة» قبل أن ينتبه أو ينبّهه من حوله إلى حجم الخطر الذي أخذ يشكّله هؤلاء «الهواة» على أمن المنطقة وأمن البشرية بأسرها.

الآن يلقي أوباما وإدارته مسؤولية فشل سياساته وتخبّطها في المنطقة على دول المنطقة نفسها، رغم أن المسؤولين فيها لم يتوقّفوا عن تحذير هذه الإدارة من أخطار ما تفعله على الأمن الإقليمي والعالمي. وإذا بنائب أوباما، جوزف بايدن، يتحفنا خلال لقاء مع طلاب جامعة هارفارد باتهام تركيا والإمارات والسعودية بتمويل تنظيم «داعش» وتسليحه. كيف ينتهي أمر الدولة العظمى برجل في موقع نائب رئيسها إلى إطلاق تهم لا يردّدها سوى الجَهَلة وأصحاب النيات المشبوهة، ومن منبر إحدى أرقى جامعات العالم؟ سؤال لم يعد مستغرباً طرحه في زمن هذه الإدارة، التي تتجاهل أن تمويل «داعش» وتسليحه، في العراق كما في سورية، يتم بأسلحة وأموال أميركية، وصلت إلى البغدادي من مخازن نوري المالكي بعد أن انسحبت قواته الشيعية ورفضت حماية المناطق السنّية، لأنها ليست مسؤولة عنها (!)، ومن منابع النفط في الشمال السوري التي تخلّى عنها جيش الأسد أو عجز عن حمايتها.

(الحياة)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث