الكتابة قدراً عبثياً

الكتابة قدراً عبثياً
المصدر: عبده وازن

هل يمكن أن يُسأل الكاتب لماذا يكتب؟ أو الرسام لماذا يرسم؟ وكذلك الموسيقي والممثل والسينمائي وسائر المبدعين في حقل الفن؟

وصف احد النقاد الفرنسيين مرة هذا السؤال بـ «الغبي» وسخر بضعة كتّاب من صحافيين طرحوا عليهم هذا السؤال.
قد يبدو السؤال الآن مستهلكاً وعادياً من كثرة ما طرح وأجيب عليه، وبعض الاجوبة التي رد بها كتّاب كبار وعاديون بدت كأنها ضرب من «الفذلكة» والمماحكة الثقافية والتكلف. لكنّ كتاباً آخرين كانت اجوبتهم لامعة وعميقة وحقيقية وطريفة كل الطرافة ومنها ما أضحى بمثابة المثل السائر.
أذكر جواباً رائعاً للروائي الارجنتيني بورخيس قال فيه: «أكتب لأجيب على سؤال ملح وعلى ضرورة داخلية. لو كنت روبنسون كروزو في جزيرته فما كنت لأكتب».
هذا الجواب ورد في تحقيق ضخم أجرته جريدة «ليبراسيون» الفرنسية عام 1985 وسألت فيه اكثر من خمسمئة كاتب من العالم السؤال نفسه: «لماذا تكتب؟».
هذا العدد الخاص ما زال يُقرأ بمتعة حتى الآن مع أن كتّاباً كثيرين بدّلوا رأيهم لاحقاً أو طوّروه بعدما مضوا في تجربة الكتابة التي لا يعلم الكاتب في احيان الى أين ستفضي به.

أما اطرف جواب فهو الذي فاجأت به الروائية الفرنسية مارغريت دوراس القراء قائلة: «لا اعلم شيئاً، لم ادرك البتة ما هو سر هذا الفعل العجيب.

اعتقد ان كتابتي ستتوقف في العام 2007، ستنتهي على حين غفلة». لكنّ الكاتبة الكبيرة توفيت عام 1996 ولم تشهد لحظة «التوقف» عن الكتابة. ولعل دوراس اجابت على السؤال عبر الهاتف كما بدا، وربما كانت في حال من التعتعة، هي التي أدمنت الشراب بنهم شبه مرضي.

لماذا تكتب؟ هذا السؤال الملتبس قد يبدو جوهرياً على خلاف ما رأى فيه بعض منتقديه. سؤال هوية ووجود، سؤال انتماء والتزام، سؤال ليس ببعيد عن الاسئلة الملحّة والقدرية التي تُطرح على الانسان أو التي يطرحها الانسان على ذاته.
يجد الكاتب نفسه امام مسألة شخصية، حميمة وجماعية في آن واحد، تصب في صميم الكتابة وتنفصل عنها، مغروسة في الوجدان والذاكرة.
هذا السؤال الذي قد يبدو بديهياً للوهلة الاولى هو معقد وصعب. والجواب عليه يمكنه ان يكون سهلاً واعتباطياً ويمكنه ان يكون شائكاً وممضّاً. لماذا تكتب؟ أوف.
يتنفس أحد الكتاب صُعداً، كما يقال، ثم يفكر ويفكر. ببساطة تامة اجاب الروائي الايطالي ألبرتو مورافيا قائلاً: «أكتب لأعلم لماذا أكتب؟» الشاعر ادونيس الذي كان من قلة عربية وجهت اليها «ليبراسيون» السؤال أجاب بجرأة تامة لم يسبقه اليها احد: «أكتب لأقول ما قاله البارئ ولم يكتبه».
وأظن ان المتنبي لو سئل في عصره هذا السؤال لما كان جوابه بعيداً من جواب أدونيس. وهذا جواب لا يرضي بتاتاً رجال الدين من أي طائفة كانوا.

السؤال هذا قديم جداً. وقد يكون الكاتب القديم طرحه على نفسه منذ ان بدأ يكتب أو يخطّ على جدران الكهوف. هذا سؤال الكتابة اصلاً.

وقد تكون الكتابة هي الجواب الأمثل عليه. ولا شك في ان أعمالاً شعرية وروائية حملت اجوبة هائلة عليه. تُرى، لو سئل يوماً هوميروس هذا السؤال ماذا كان ليجيب؟ حتماً كان جوابه سيكون مختلفاً عن جواب سرفانتس صاحب «دون كيشوت». كل الاجوبة تختلف بعضها عن بعض، حتى وإن لم تكن جدية أو ضرباً من المزاح كما فعل بعضهم.

وصف محمود درويش الكتابة في حوار أجريته معه بـ «الفعل العبثي». سأل: ما معنى ان تجلس الى اوراق بيض وتكتب؟ ما سر هذا الإقبال على الكتابة؟ هو على حق.

سمّى انسي الحاج زاويته الشهيرة في جريدة «النهار» في الستينات «كلمات كلمات كلمات» مستعيراً إياها من هاملت ليؤكد عبثية الكتابة. هذا فعل عبثي حقاً.
«باطل الأباطيل، كل شيء باطل وقبض ريح…» كما ورد في سفر الجامعة في التوراة. لكنها الكتابة التي تحل حلولاً قدرياً. يشعر الكاتب انه منقاد تلقائياً الى اوراقه (اليوم الى شاشة الكومبيوتر)، لا يعلم تماماً ما الذي يدفعه الى الكتابة. يكتب وكأنه يمارس وجوده، وجوداً آخر لكنه حقيقي. يكتب كما لو يتنفس. كما لو يعالج جرحاً في داخله. كما لو أنه يستجيب نداء غامضاً لا يدري من ان يأتي.

خطر في بالي اكثر من مرة ان اسأل بعض القراء الحقيقيين لماذا لا يكتبون. بعض الاشخاص تجدهم جديرين بأن يكتبوا، وهم لو فعلوا لغدوا كتّاباً غير عاديين. هم على أهبّة لأن يصبحوا كتّاباً، لكنهم لا يُقدمون. لماذا لا يكتب هؤلاء؟ هذا سؤال اشد إلحاحاً والتباساً من السؤال الاول.

لماذا لا تكتبون؟ الجواب الذي يخطر للفور هو: لأننا نقرأ؟ هل كان رولان بارت على حق عندما جعل من القارئ كاتباً مبدعاً ولو بالقراءة؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث