… سندفع ثمن تجاهل ليبيا

… سندفع ثمن تجاهل ليبيا
عثمان ميرغني

ليس من قبيل المبالغة القول إننا سندفع ثمنا باهظا إذا استمر التجاهل للوضع المأساوي في ليبيا. فالأخبار الآتية من هذا البلد العربي تدل على أن الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، والمعارك بين الميليشيات المتقاتلة تتسع وتزداد شراسة، بينما العالم يتفرج بكثير من اللامبالاة، أو في أحسن الأحوال يقوم بخطوات محدودة لا تقدم أو تؤخر. يحدث هذا على الرغم من أن الأوضاع المتدهورة في ليبيا مؤهلة لبروز «داعش» آخر. فهناك غياب للسلطة المركزية القوية، وهناك الفوضى، وكميات كبيرة من السلاح وجماعات متطرفة منها ما يرتبط بـ«القاعدة»، وهذه هي البيئة المثالية للإرهاب الذي كبرت أحلامه وأوهامه مع تجربة دولة داعش «الإسلامية».

الدول الغربية التي شاركت بحماس في الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي، لا تبدو الآن متحمسة لتدخل يساعد ليبيا على الخروج من أزمتها. السياسة الراهنة هي الانتظار، والذريعة أن هناك ما هو أهم لمخططي الاستراتيجيات الغربية. فهناك «داعش» الذي أصبح بقدرة قادر محور كل تحرك، بعد تمدده السريع من سوريا إلى العراق، وانهيار الجيش العراقي بكل عده وعديده وتدريبه «الأميركي» أمام بضعة آلاف من مقاتليه الذين يفترض أنهم لا يملكون مقومات الجيوش النظامية بتدريبها العالي وأسلحتها المتطورة. «داعش» قصة محيرة، ليس محيرا أكثر منها إلا الانهيارات السريعة لجيوش عربية تنفق عليها أموال طائلة، من الانهيار السريع للجيش العراقي أمام «داعش»، إلى انهيار الجيش اليمني أمام الحوثيين.

ليبيا ليس فيها جيش محترف حقيقي، لأنه لم يتوفر الاستقرار لبناء جيش جديد متماسك يحل محل كتائب القذافي، أو محل الميليشيات المتناحرة على الجسد الليبي المنهك. وحتى لو كان هناك جيش محترف فإننا لم نكن سنعرف إذا كان سيتماسك أمام هجوم الميليشيات، أم سيتهاوى على غرار ما رأينا في دول أخرى. المهم أن الحالة الليبية الراهنة مختلفة، لأن الجيش ضعيف ولا يزال في مرحلة البناء، وبالتالي قد يكون مفهوما أنه غير قادر على مواجهة الميليشيات التي تسيطر على الأوضاع في معظم أرجاء البلاد. يضاف إلى ذلك أنه لا توجد حكومة مركزية قوية، بعد أن أدت الصراعات إلى تنصيب حكومتين متنافستين وبرلمانين وقيادتين للجيش.

الأزمة المتفاقمة لها بالتأكيد تداعيات خطيرة على دول الجوار؛ فليبيا لها حدود مع ست دول كلها عرضة للتأثر بالتطورات خصوصا إذا عززت الحركات المتطرفة قبضتها أو وجد الإرهاب ساحة جديدة يسرح فيها ويمرح. ولا ننسى أيضا أن ليبيا تطل على أوروبا عبر المتوسط، فإذا كانت الدول الأوروبية الجنوبية تشكو الآن من تدفق الهجرة غير الشرعية، فكيف سيكون الحال إذا انزلقت ليبيا أكثر نحو العنف والاحتراب القبلي، أو أصبحت بسبب الفوضى قبلة للإرهابيين الذين إذا أجبرتهم ضربات التحالف الدولي على التخلي عن دولتهم «الإسلامية» في سوريا والعراق، فإنهم سيبحثون عن مرتع آخر وقد يجدون في ليبيا تربة خصبة لا سيما أنه تنشط فيها جماعات مسلحة خارجة من رحم «القاعدة»، وتوجد قريبا منها جماعات متطرفة في مصر والجزائر اللتين ستكونان أكبر المتضررين إذا أصبحت ليبيا مرتعا للتطرف وللحركات الإرهابية الباحثة دوما عن بيئة تنشط فيها وتتغذى منها. ويمكن إضافة السودان أيضا بعد أن سمعنا أخيرا، ولأول مرة في تاريخه، عن ظهور فرع لـ«القاعدة» فيه، وهذا من حصاد حكم «إخوان» الخرطوم.

ليبيا في حاجة إلى مساعدة من العالم الخارجي لكي تتمكن من الخروج من أزمة لا يمكن إلا أن تتفاقم وتزداد خطورة لو استمر تجاهلها. ردود الفعل حتى الآن ليست في مستوى خطورة الوضع، لا من المجتمع الدولي ولا من العالم العربي. فالإعلان الصادر عن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا عن «حوار» ستنظمه بين الأطراف الليبية الأسبوع المقبل لا يبدو بمثابة تحرك جدي وحقيقي لمساعدة ليبيا على الخروج من أزمتها الخطيرة. أما العالم العربي الذي يفترض أنه معني مباشرة بالأمر، فإن معظمه يتصرف حتى الآن وكأن هذه الأحداث تدور في بلاد الواق الواق؛ فالتحركات المحدودة على مستوى الجامعة العربية، والبيانات التي تحمل عبارات حفظها الناس وسئموا من تكرارها، لا يمكن أن تقنع أحدا بأن سياسة العجز إزاء الأزمات التي تعصف بكثير من الدول العربية، ستتغير في الحالة الليبية.

مساعدة ليبيا تتطلب أن تنهض دول الجوار المعنية، مع دول الخليج، للضغط على المجتمع الدولي لعقد مؤتمر تحضره الأطراف الليبية، بهدف التوصل إلى اتفاق برعاية عربية/ دولية يعيد الاستقرار لهذا البلد ويمنع تفككه وانزلاقه أكثر نحو حروب لا تبقي ولا تذر، ولن تسلم منها دول أخرى. هذا على الأقل ما يدين به «التحالف الدولي» لليبيا بعد مشاركته في الإطاحة بالنظام السابق.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث