المسيحيون و «داعش» الاسرائيلي

المسيحيون و «داعش» الاسرائيلي
عبده وازن

دعوة وزير الداخلية الاسرائيلي المستقيل جدعون ساعر الفلسطينيين المسيحيين الى التخلي عن عروبتهم وتبني القومية الآرامية، ليست بمستغربة، ولا هي الاولى في هذا القبيل. الاسرائيليون – يا لإنسانيتهم – «يخشون» على مستقبل الفلسطينيين المسيحيين الذين باتوا مثلهم مثل مسيحيي الشرق عرضة للانقراض على يد تنظيم «داعش». هذا خوف الجزار على ضحاياه الذين لا يريدهم ان يزولوا ما دام هو يحاصرهم ويقرر مصيرهم، وما داموا هم ورقة في يده يكشفها حين يريد مثلاً أن يؤكد، علمانيته وغيرته على الاقليات في الشرق. إنها دعوة الى اهل الارض، أرض فلسطين المحتلة، ليتخلوا عن ماضيهم وذاكرتهم وتراثهم ووجدانهم الجماعي وهويتهم العربية… دعوة اليهم ليتبنوا الآرامية بصفتها القومية وربما اللغوية أيضاً. تدعو اسرائيل الفلسطينيين المسيحيين الى العودة الى الوراء قروناً، فلا يكونوا أبناء العصر كما هم الآن، بل يصبحوا على غرارها، ابناء لتاريخ منقرض.

أما المستهجن فهو ان تصدق قلّة قليلة من مسيحيين جهّال هذه الدعوة وتجد فيها فرصة للخلاص من الخوف الذي يلازمها والذي ازداد مع صعود حركات تكفيرية مثل «داعش» و«النصرة»، وهي حركات لا تمثل المسلمين، ولا الاسلام ديناً وحضارة. بل إن هذه الحركات التكفيرية اضطهدت اصلاً المسلمين اضطهادها المسيحيين والأقليات كالإيزيديين والصابئة. ومثلما سعت اسرائيل سابقاً الى فرض التجنيد الالزامي على الطائفة الدرزية، تسعى اليوم الى فرض هذا التجنيد على طوائف مسيحية، مستغلة الظروف الطائفية المحمومة. لكنّ مشروعها لقي رفضاً كلياً، ولم تتحمس له سوى القلة القليلة نفسها التي عرفت اسرائيل كيف تغرّر بها وتوقعها في شباكها. اما غاية اسرائيل من تجنيد فلسطينيي الداخل فهي تفتيت هؤلاء الفلسطينيين وزرع الفتنة والشقاق بينهم، فجيشها لا يحتاج اليهم، وأعدادهم قليلة اصلاً وحضورهم ضئيل. وهذا ما عبر عنه مراراً الشاعر سميح القاسم الذي ناضل ضد هذا التجنيد.

أما الفضيحة الاخرى التي توازي فضيحة «الآرامية»، فهي الدعوة التي وجّهها السيناتور الاميركي الجمهوري تد كروز اخيراً، الى المسيحيين العرب للتحالف مع اسرائيل في مواجهة الحركات الاصولية. وأطلق هذا السيناتور الخبيث دعوته هذه خلال «مؤتمر الدفاع عن مسيحيي الشرق» الذي عُقد اخيراً في واشنطن، وما كان على رجال الدين المسيحيين إلا ان يهبّوا ضده ويطالبوه بالانسحاب من المؤتمر. هذه الدعوة اللئيمة لم تأت عفواً ولا عن طيب خاطر، بل هي «مفخخة» اسرائيلياً وغير بريئة، وبدت أشبه بحجر رُمي على صفحة ماء المؤتمر ليعكره. وبعيداً عن النقاش الذي أثاره هذا المؤتمر في الاوساط المسيحية نفسها، بين مؤيدين له ورافضين إياه، بدت دعوة هذا السيناتور التي تنضح حقداً وكراهية مهينة، لأميركا والغرب، ولعلها خير دليل على أزمة القيم التي يعانيها الغرب نفسه، الغرب الذي لم تعد تعنيه قضية المسيحيين لا في الشرق ولا في اي بقعة في العالم. الغرب الذي لا تحركه المجازر التوراتية التي ترتكبها اسرائيل في غزة لم يعد يهمه سوى امن اسرائيل وطمأنينة شعبها وسلامة الاراضي التي احتلتها. إنه الغرب الذي لم يطالب مرة اسرائيل بالكف عن تهويد القدس المسيحية والاسلامية وتهويد جغرافية فلسطين، ارض المسيح.

لقد فات الوزير الاسرائيلي جدعون ساعر والسيناتور الاميركي المتأسرل تد كروز ان القضية الفلسطينية هي قضية المسيحيين مثلما هي قضية المسلمين، بل هي قضيتهم جميعاً شعباً واحداً وقومية واحدة. ومثلما ناضل المسلمون ضد الاحتلال ناضل المسيحيون، ومثلهم خسروا اراضيهم وقراهم وبيوتهم. عاشوا النكبة معاً، وعاشوا النكسة معاً رحلوا وعادوا معاً… والحلم ما زال حلمهم الواحد.

تمضي اسرائيل في تهويد التاريخ وأسماء المدن والقرى، ساعية الى الغاء الذاكرة الفلسطينية، ذاكرة المكان والارض. انها خطة إجرامية لا تقل فظاعة عن المجازر التي ترتكبها امام انظار العالم. قتل ذاكرة المكان يوازي قتل شعب المكان. اما دعوة الفلسطينيين المسيحيين الى التخلي عن هويتهم العربية وتبني الهــوية الآرامية فهي من اشد الجرائم بشاعة. إنها جريمة الجرائم، جريمة فيها من العنصرية ما فيها من الالغاء والاقتلاع والمحو والتغريب… هذه جريمة لا تُرتكب ضد الفلسطينيين المسيحيين، بل ضد العرب والمسلمين، ضد فلسطين كنيسة المهد والمسجد الاقصى. الهوية ليست ثوباً نخلـعه متى نشاء، انها الجذور والذاكرة، الذات فرداً وجماعة، الروح والجسد، إنها الماضي والمستقبل. ولئن بلغ تنظيم «داعش» ما بلغ من القتل والإجرام، فهو يظل دون ما ارتكب «داعش» الاسرائيلي، من اعمال إبادة وقتل وتهجير. لكنّ «داعش» الاسرائيلي هو حتماً أشد ذكاء من «داعش» الذي يحمل صفة الإسلام زوراً وبهتاناً.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث