الضمير والقبلة

الضمير والقبلة
زياد الدريس

حين صدر قرار تعييني مندوباً دائماً للمملكة العربية السعودية لدى منظمة اليونسكو في العام 2006م، التقاني الأمير سلمان بن عبدالعزيز في مكتبه وطلب مني بذل الجهد لتوثيق علاقة المملكة مع اليونسكو، ثم سألني: متى ستباشر عملك؟ قلت: بعد شهر من الآن حتى تنتهي الإجراءات الورقية، قال لي: لا، ستبدأ عملك غداً بإذن الله حيث تحضر حفل العشاء الذي سأقيمه للرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي كان يزور الرياض حينذاك.

وأصبحت لا أؤرخ بداية عملي في اليونسكو من أول يوم عمل هنا في باريس… بل من ليلة العشاء تلك في الرياض.

أمرني الأمير سلمان، في أول ليلة دوام، بأمرين نفذت أحدهما ولم أنفذ الآخر!

أمرني أن أبذل جهدي في توثيق العلاقة بين المملكة واليونسكو. وقد حاولت جهدي مع زملائي في المندوبية الدائمة، وأرجو أن نكون قد نجحنا.

أما الطلب الآخر فهو أن أتعلم اللغة الفرنسية بسرعة، قال سموه هذا وهو يلتفت إلى الرئيس شيراك. لكنني لم أنفذ المطلوب، أو على الأقل ليس بالدرجة التي تمنياها وأتمناها، لأن الأمير والرئيس اقترحا عليّ طريقة تساعد على تعلّم اللغة الفرنسية بسرعة، لكن زوجتي العزيزة لم توافق عليها!!!

****

هنا منظمة اليونسكو… البيت الذي شُيّد بعد الحرب ليكون حصناً للسلام.

هنا اليونسكو، حيث تلتقي الثقافات واللغات والانتماءات الدينية والقومية والوطنية تحت سقف واحد في نموذج مصغّر للعالم الذي نتمناه وننشده.

هنا نحن لسنا متفقين دوماً وحول كل شيء، كما أننا لا نحب بعضنا بعضاً بنفس الدرجة، ولا نؤمن بكل أفكار بعضنا الآخر.

هنا نختلف… لكننا لا نتقاتل.

هنا ضمير العالم، حيث أودع حكماؤه قبل سبعين عاماً في هذه المنظمة مهمة مطاردة السلام… السلام الذي كلما اقتربنا منه ابتعد عنا، لكننا سنظل نطارده، لا خيار لنا غير ذلك.

هنا أصبحت فلسطين لأول مرة دولة عضو كامل العضوية في منظمة دولية قبل ثلاثة أعوام، ولا عجب ، فإذا لم يعترف الضمير بحق شعب في أن تكون له دولة، فهل سيفعل ذلك غيره ؟!

وهناك المملكة العربية السعودية… قبلة العالم، حيث مكة المكرمة القبلة التعبّدية لملايين المسلمين والقبلة الحضارية لملايين ملايين البشر الذين عرفوا الإسلام وآمنوا بقيمه وتأثروا بثقافته وأسهموا في حضارته حتى وهم من غير المسلمين.

أتحدث عن الإسلام الحقيقي النقي، لا الإسلام الذي تسمعون عنه في نشرات الأخبار الآن.

الإسلام الذي جاء ليحيي الإنسان… لا ليقتله!

ولأجل هذه الرسالة قامت المملكة العربية السعودية على مهبط الإسلام لتخدم مبادئ السلام.

ومن هذا المرتكز انطلقت البرامج السعودية في اليونسكو بكافة تخصصاتها، ليبني الشريكان علاقة حضارية تنسجم مع مبادئ وقيم الطرفين.

هنا ضمير العالم… وهناك قبلته.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث