للتفتت أسماء وعناوين

للتفتت أسماء وعناوين
سمير عطا الله
سمّى شارل ديغول الحرب العالمية الثانية مجرد جزء كان من الحرب الكبرى. وفي نهايتها، خرجت أوروبا قارة مدمرة، فقدت للمرة الأولى في التاريخ موقعها ومرتبتها ودورها فيما يسمى ميزان القوى. حتى المنتصرون، مثل بريطانيا وفرنسا الحرة، كانوا خسروا قواهم الفعلية السابقة وسمعة، أو مواصفات، الإمبراطوريات.
نحن مثل أوروبا ما بعد الحرب الكبرى بفصليها. أمة خارج ميزان القوى. دول مدمَّرة من الداخل ومتناثرة عناصر البقاء. الجمهوريات الثلاث الكبرى ينخرها القلق، أو الوسواس، مثل مصر، ويفتتها الخراب الكبير مثل العراق وسوريا. فجأة، تحولت دول الوحدة الكبرى إلى دول الفرقة الصغرى؛ جمهوريات لا مواطنين فيها، بل طوائف وقبائل: سنة. شيعة. أكراد. إيزيديون. أقباط. آشوريون. كلدان. أمازيغ. إلى آخره. نسينا أنه كان هناك عرب وتعني الجميع، وعراقيون وتعني أهل العراق، وسوريون وتعني دمشق والحسكة والبادية والساحل وأعالي كسب. وقبل أن يفارق «أمين القومية العربية»، نادى على «القبائل» أن تهب لنجدة منجزات الفاتح في تاريخ الإنسانية، فما إن غاب حتى سُمعت أصوات مريضة تتحدث عن ولاية برقة وولاية طرابلس.

كأننا كنا جميعا في انتظار اللحظة التي يعود فيها كل منا إلى كهفه وقوقعته، مناطق وأقاليم وبطون وأفخاذ. نحن الأمة الوحيدة في الأرض التي لا تزال تقلّم شخصيتها الوطنية وصولا إلى العظام. لأننا أخفقنا في تجربة الانتماء إلى دولة ووطن. لأن كل حاكم جاء ونمّى قبيلته أو جيشه أو طائفته أو زمرته. لأن شرط النجاح والبقاء كان فئة الدم، وليس الشروط الإنسانية وقدرة الاحتضان.

تبادل النظام العربي النفي والتهجير والسجون والمحاكمات المزورة علنا. ورأينا صدام حسين يحاكم رفاقه ثم يرسلهم إلى الموت، ثم رأيناه يصر على أن يضع الحبل حول عنقه في محاكمة فاقعة السوء والهرطقة القانونية. ليس أسهل من إقامة المحاكم في العالم العربي، بعدما افتتحها وكان ضحيتها حسني الزعيم، وبلغت أوج مضحكاتها المبكية مع محكمة المهداوي في العراق.

ما زرعناه في نصف قرن نحصده اليوم. أسماء لكتل بشرية تعيش في منطقة واحدة لا يجمع بينها شيء. تعودت أن تؤذي بعضها بعضا وأن تتربض وأن تنتظر لحظة الثأر والانتقام. هذه هي النتائج: من عرسال إلى سنجار، ومن الموصل إلى الرقة، ومن برقة إلى فزان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث