فراغ قيادي

فراغ قيادي
هشام ملحم

القراءة الاولية للغارات الجوية التي شنتها دولة الامارات العربية المتحدة ومصر على الميليشيات الاسلامية في ليبيا، تعكس متغيرات استراتيجية وسياسية اقليمية ودولية بالغة الاهمية. اضطلاع دول صغيرة وحليفة لواشنطن مثل الامارات وقطر بادوار اقليمية وحتى عالمية غير معهودة، يعكس الانحسار التدريجي للنفوذ الاميركي في المنطقة، وغياب القيادة القوية القادرة على ايجاد الائتلافات الفعالة، والتي كان أفضل تعبير عنها ائتلاف الثنائي بوش- بايكر الذي انهى الاحتلال العراقي للكويت.

هذا الفراغ القيادي هو الذي دفع دولة الامارات الى مثل هذه الخطوة. الاحتجاج الاميركي بان الامارات ومصر لم تبلغا واشنطن قرارهما غير صادق كليا. صحيح ان واشنطن لم تعلم بتوقيت العمل العسكري وتفاصيله، ولكن، استناداً الى مصدرين اميركي وعربي تحدثت معهما “النهار”، تم ابلاغ مسؤولين اميركيين ان الامارات ترى في الحركات الاسلامية المتشددة “خطرا وجوديا ” على مصر، ولاحقا الخليج “وتالياً نحن مضطرون للتحرك”. واضاف المصدر العربي، “لا نستطيع انتظار ادارة اوباما الى التحرك، فهي ليست قوية، ولا تشاطرنا مخاوفنا من حركة الاخوان المسلمين، او من ايران ونفوذها المتزايد في شرق المتوسط والعراق”.

المتغير الاقليمي الابرز، هو ان الدورالمتنامي لـ”الدولة – المدينة” City State مثل الامارات وقطر، يعكس انحسار او انهيار مراكز القوى التقليدية التي سادت المنطقة العربية في القرن الماضي: مصر، العراق، السعودية، والى حد اقل سوريا. مصر تعاني استقطاباً سياسياً غير معهود بين “الاخوان المسلمين” وخصومهم، وتوتراً طائفياً لم تعرفه منذ العصر الوسيط، على خلفية ازمة اقتصادية خانقة وحركة تمرد مسلحة لم تعد محصورة بسيناء. العراق يقف، منذ سنوات، ولا يزال على حافة حرب اهلية تهدد بتفككه الى مكوناته الاساسية: كيانات كردية وسنية وشيعية. سوريا تعيش أسوأ حرب اهلية في التاريخ الحديث للمنطقة، وليس متوقعاً ان تعود دولة موحدة تحت سلطة مركزية في المستقبل المنظور، هذا اذا بقي هناك كيان مهلهل يمكن ان نسميه سوريا.

السعودية وحدها في المشرق لا تزال دولة محورية وذات سلطة مركزية. والسعودية أثبتت منذ سنوات انها اذا شعرت بان امنها القومي مهدد من بعض جيرانها، فانها ستتدخل عسكرياً من غير ان تطلب موافقة اميركية مسبقة، وهذا يفسر التدخل العسكري في اليمن وفي البحرين. لكن الدور العسكري السعودي خارج منطقة الخليج – الجزيرة العربية محدود للغاية.

اخيراً، هناك انقسام سني بين محورين: اسلامي التوجه يضم قطر وتركيا والسودان، يقابله محور مناوىء للحركات الاسلامية ويضم الامارات والسعودية ومصر. المبارزة الاساسية ستكون بين النقيضين الصغيرين الثريين: الامارات وقطر. وسوف يكون مسرحها على امتداد العالمين العربي والاسلامي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث