نكتة أوباما لا تُضحِك «داعش»

نكتة أوباما لا تُضحِك «داعش»
زهير القصيباتي

لا تُفهَم رسالة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى نظام الرئيس بشار الأسد برفض التنسيق معه في الحرب على «داعش»، ثم إبلاغه معلومات عبر بغداد وموسكو حول مواقع لهذا التنظيم، إلا بمثابة نكتة سمجة سوداء، فيما معلومات الأمم المتحدة تصفع أوباما وكل أركان إدارته. إذ لم تمضِ أيام معدودة على إعلان المنظمة الدولية استكمال تدمير الترسانة الكيماوية السورية، حتى كشفت الأمم المتحدة استخدام النظام السوري مواد كيماوية في نيسان (ابريل) الماضي. فمَنْ يثق بمَنْ، ومَنْ يمكنه طي هذا الملف، وقبل ذلك، إنقاذ الشعب السوري من ويلات «كيماوية» تبدو محتملة؟

وإذ يسرد آخر تقرير للمنظمة الدولية معطيات عن ممارسات النظام، والتصفية المنهجية للمعتقلين، والإبادة بالتقسيط للمدنيين بواسطة البراميل المتفجّرة، يعطي نظرياً مزيداً من المبررات الأخلاقية لأوباما في رفض التنسيق مع النظام السوري الذي ما زال يرتكب فظائع، لمواجهة «داعش» وفظائعه ووحشيته.

أما أن تسارع واشنطن إلى إيهام نفسها بالتشاطر وباستخدام النظام ذاته كأداة في الحرب على «الدولة الإسلامية» بتزويده لوائح بمواقعها في سورية، عبر بغداد وموسكو، ففي ذلك بدعة النكتة السوداء… وفيه ايضاً جهل مطبق بطبيعة النظام في دمشق الذي لا يعمل إلا لحسابه. فلنذكر ببساطة كم هو الفاصل الزمني بين عرض وزير الخارجية السوري وليد المعلم التعاون مع كل الدول، بما فيها الولايات المتحدة، لمكافحة إرهاب «داعش»، وبين نبأ تمرير الأميركيين معلومات جمعتها طائرات لهم حلّقت فوق مناطق لـ «الدولة الإسلامية».

لا تحتاج النتائج التي استخلصها محققو الأمم المتحدة إلى عناء في المفاضلة بين جرائم سوداء وأخرى لا تقل عنها بشاعة، تُرتكب باسم «تطويع» الناس في سورية أو تأهيلهم لـ «تطبيق الشريعة». في «الدولة الإسلامية» تجنيد أطفال لممارسة القتل، في ما تبقى من دولة «البعث» التي ترعاها جمهورية المرشد خامنئي، لا تفرّق البراميل المتفجّرة بين مسلحين ومدنيين، بين كبار وأطفال «إرهابيين».

بكل بساطة، ما يريد أوباما إبلاغنا إياه، أن تنظيم «داعش» يهدد المصالح الأميركية وأما نظام الأسد فلا. لذلك يجوز تفويضه بالواسطة (عبر العراق وروسيا) الاستفادة من المعلومات الاستخباراتية لخوض حرب على «داعش» يراهن عليها النظام لاستعادة اعترافٍ غربي به. وبالطبع، لم يتأخر الروس في التطوّع لنقل رسالة الأسد إلى الولايات المتحدة، أليس الجميع أمام «عدو مشترك» هو «الدولة الإسلامية»؟

صحيح أن كثيرين، وربما مئات الآلاف من السوريين فقدوا حياتهم في المعتقلات وسجون التعذيب، ولكن فلنتوهّم أن الفارق كبير بين مأساتهم ومآسي المدنيين والعسكريين الذين جزّ «داعش» رؤوسهم علناً، في ساحات الرقة وشوارعها.

كل ما يعني الرئيس الأميركي اليوم هو «سرطان داعش» وكيفية استئصاله، أما الوحشية التي أُبيد بها حوالى 190 ألف سوري، فمرشحة حتماً إلى الاستمرار إلى أن يتحقق ذكاء البيت الأبيض من هوية أي فصيل معارض يستحق الدعم والتسليح، لئلا يقع السلاح في الأيدي الخطأ. والبرهان على ذكاء هذه الاستراتيجية أن ترسانة أسلحة أميركية سقطت في أيدي «داعش» خلال غزوها الموصل وتكريت، كان العراقيون دفعوا ثمنها البلايين من الدولارات، وأنهاراً من الدم.

ولكن، أليس من الإنصاف الاعتراف بتعلّم الإدارة الأميركية من الدروس الإيرانية؟ ألا تقاتل طهران حتى الآن على جبهات واسعة في المنطقة بدماء «وطنية»… عراقية ولبنانية وسورية ويمنية، وإلى وقت قريب فلسطينية؟ هكذا تفرض «الحكمة» استخدام نظام بشار رأس حربة في استئصال «سرطان داعش»… مطاردة الإرهاب بالإرهاب، واستئجار آلة القتل الأعمى لتصفية الطغاة الجدد.

فلنتعلم إذاً من «حكمة» أوباما، وقبله دهاء إيران وتشبّث الروس بتوازن العالم على مقياس الكرملين وطموحات سليل الـ «كي جي بي». رغم كل القتل على امتداد مساحات عربية شاسعة، سكت الأميركي عن وحشية الطاغي وإرهاب القتلة، إلى أن أقضّ مضجعه «السرطان». واليوم لا يشكو إلا من قلة جواسيسه في سورية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث