الطفل والدولة

الطفل والدولة

خالد القشطيني

يلاحظ الكثير من الآباء هذه الظاهرة الغريبة في أطفالهم، ويتعجبون من أمرها، ويقفون مذهولين حيالها، وذلك أن الطفل كثيرا ما يبتهج ويضحك، ويساهم بما يجري حوله بشغف ثم ينقلب فجأة لحالة مأساوية، فيبدأ بالصراخ ويضرب ويرفس ما حوله، ويكسر ما في يديه، ويرفض كل محاولات التهدئة دون سبب ظاهر.

لاحظت ذلك مرارا في أولادي، وكثيرا ما يقلق الوالدين كما أقلقتني، ولكنني سرعان ما استطعت تفسيرها، وهو أنك عندما تزج بالطفل في لعبة فوق مستواه يستأنس بها أولا، ولكنه سرعان ما يجد نفسه عاجزا عن استيعابها أو مجاراتها، فيشعر بالعجز والإحباط، فينفجر في شكل نوبة (fit) أو سورة (tantrum)، حرصت على تحاشي ذلك بعدم زجهم بما هو أكثر من فهمهم.

اطلعت أخيرا على تقرير نفساني يؤكد ما ذهبت إليه، ويوصي بما أوصيت نفسي به، ثم تذكرت أن شركات ألعاب الأطفال تتبع ذلك، فهي تحدد لكل لعبة سنا معينة، فتقول: «صالحة للأطفال فوق الرابعة أو الخامسة من العمر»، مثلا، وتحذر من إعطائها لمن هو دون ذلك.

الخوف ليس أنها قد تؤدي إلى إصابته بجرح أو أذى، وإنما أنها قد ترهق مشاعره ونموه العقلي.

ربما لاحظ القراء أنني كثيرا ما أطابق سلوك الإنسان الفرد على سلوك مجتمعه ككل، وفي هذا السياق تأملت بما يجري في عالمنا العربي أخيرا ولعدة سنوات من اضطراب وإرهاب لا يصدقه العقل وتصرفات عنيفة تخريبية هوجاء أصبحت تحيرنا وتحير العالم. هذا في الواقع تطبيق لظاهرة «النوبة» أو «التنترم»، ففي أوائل القرن الماضي، دخلت الأمة العربية في «لعبة الأمم»، واستقلت واستأنست بتجربة الديمقراطية والاشتراكية، وتغنت بالوحدة العربية وأناشيد اللحاق بالعالم الغربي والمدنية الحديثة، وكل ما كانوا يحدثوننا به في مدارسنا، وكله في رأيي، وكما اكتشفنا الآن، كان في إطار لعبة فوق مستوانا، عجزنا عن استيعابها وتناولها.

خسرنا فلسطين ومررنا بنكسة بعد نكسة مع إسرائيل، وبدلا من تحقيق الوحدة العربية أصبحت بلداننا معرضة لتجزئتها. لعبة الديمقراطية والأحزاب والانتخابات أوقعتنا تحت حكم فئات متخلفة عاجزة. الاشتراكية علمتنا الكسل والاتكالية والفساد. حيثما مددنا أيدينا في هذه الألعاب عجزنا عن استيعابها وخربناها. كان على من صدروا لنا الديمقراطية أن يكتبوا على العلبة «تصلح للنظام بعد سن المائتي سنة». تلصق علبة الانتخابات بتحذير يقول: «احذر من إعطائها للأميين».

فعلنا ما يفعله الطفل حيال لعبة فوق سنه، رحنا نصرخ ونرفس ونكسر كل ما حولنا من أجزاء هذه اللعبة الصعبة. هذا ما تقوم به «داعش» و«النصرة» و«القاعدة»، وكل هذه المنظمات الإرهابية، وأيضا الأنظمة الفاشلة والغاشمة كنظام الأسد، كلها في الواقع «تنترم» مكبر نتج عن اللعب بألعاب فوق مستوى نضوجنا.

هكذا يتصرف الطفل، ولكن الآباء يتذرعون بالصبر حتى يتجاوز المرحلة وينمو ويتعلم، ليس بالصراخ والتكسير، بل بالسعي لفهم اللعبة وآليتها، وهي عملية تستغرق سنوات، وبالنسبة للشعوب تستغرق أجيالا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث