بانتظار ربيع غزة

بانتظار ربيع غزة

عبدالله ناصر العتيبي

تقول الأخبار إن الرأي العام الإسرائيلي يضغط على حكومة بنيامين نتنياهو باتجاه إنهاء الحرب، حفاظاً على أرواح الجنود الإسرائيليين الذين مات منهم العشرات حتى كتابة هذه المقالة! هـــل سمعنا في المقابل عن ضغط مماثل من الشعب الغزّاوي على حكومة «حماس» المقالة لإنقاذ حياة فلسطينيي غزة الذين فقدوا حتى الساعة عشرات المئات من أبنائهم وبناتهم المدنيين؟!

أمر آخر… الحكومة الإسرائيلية تتحدث بين الحين والآخر عن شروط وقف الحرب على غزة، وعن متطلباتها وأجندتها في التفاوض، فهل سمعنا كلاماً واحداً لا يتغير لقادة «حماس» حول ماذا يريدون بالضبط قوله وسماعه في جولات التفاوض؟! من الواضح أنه ليس هناك رأي عام في غزة الآن مع استمرار الحرب أو ضدها. الفلسطينيون في غزة الذين يتنقلون ما بين المدارس والمساجد والملاجئ غير قادرين على التعبير عن رأيهم في هذه الحرب المفروضة عليهم، لأنهم يعيشون تحت سلطة قمعية لا تختلف كثيراً عن «الهوى العربي» في إدارة الدول. هم هناك يسمعون عبر الأخبار ويقرأون عبر وسائل التواصل الاجتماعي جولات الكر والفر التي يقوم بها الآخرون نيابة عنهم، ويعايشون يومياً الشيزوفرينيا العربية التي تتحدث مرة عن الانتصارات العربية والهزيمة اليهودية وتدعوهم إلى مواصلة المواجهة، وتتحدث مرة إلى المجتمع الدولي، طالبةً منه التدخل الفوري لإنقاذ الفلسطينيين من آلة البطش الإسرائيلية.

في السعودية ومصر والمغرب والكويت والإمارات والعراق والجزائر تنقسم الجماهير العربية إلى قسمين، قسم يستدعي المأساة الغزاوية ليهاجم الحكومات العربية والمتصهينين العرب، كما يسميهم، وقسم يستدعي مأساة غزة ليهاجم «الإخوان» والإسلامويين الذين يظنون أن الديموقراطية هي في سماع كلمتهم المشتقة من كلمة الله. يقذف القسمان بعضهما بعضاً بالمقذوفات الكلامية ويصفيان الحسابات في ما بينهما، ويتناولان مواقف بعضهما بالسوء، وكل ذلك فوق سجادة غزة وتحت سقفها. يستدعيان المأساة ليس من أجل تبنيها، وإنما من أجل كسر شوكة الخصم وتركيعه وحشد العوام ضده.

الحكومات العربية تمارس دورها المعتاد عبر عشرات السنين، بينما أبطال «تويتر» و«فايسبوك» العرب يجاهدون «رقمياً»، وهم بين أطفالهم وفوق أسرتهم، ويقولون مرة إن الفلسطيني انتصر، ومرة يقولون إنه يتعرض لحرب إبادة. يقولون مرة إن «حماس» مخطئة، ويقولون مرة إن «حماس» هي رأس الجهاد وذروة سنامه في الوقت الحالي.

الفلسطيني في غزة أوكل أمره إلى العربي خارج غزة، سواء برفض الحرب أم قبولها، لأنه غير قادر على مواجهة حكومته برأيه كما هي الحال في بقية الدول العربية. هو فقط يقوم بدور الوقود الذي لا تتحرك الأوضاع إن سلباً أو إيجاباً إلا بوجوده. وفي المقابل فإن القيادات في غزه لا تملك من أمر الاستمرار في الحرب أو إيقافها شيئاً، فقرارها متعلق دائماً بموافقة دول أخرى. «حماس» لا تستطيع أن تجلس على طاولة المفاوضات مع الإسرائيليين في مصر من دون أن تأخذ موافقة إيران وقطر وتركيا. ولا تستطيع أن تقبل أو ترفض شروط المفاوضات من دون أن ترجع إلى هذه الدول. ولا تقدر على أن تناقش المبادرة المصرية من دون أن تأخذ الإشارة الخضراء من الدول الثلاث مجتمعةً.

الوضع معقد إذاً، إذ إن الأمر ليس متعلقاً بحرب صغيرة بين «حماس» وإسرائيل، الأمر أكبر من ذلك، فدول المنطقة تتحرك وترسم الخطط وتصفي الحسابات وتخلق المواقف وتبني للمستقبل، اعتماداً على رقعة الشطرنج الغزاوية – الإسرائيلية، ولا يهم كم عدد القتلى اليومي، ما يهم هو كيفية استخدام صور هؤلاء القتلى، ولا سيما الأطفال الأبرياء في كسب المزيد من الانتصارات الإقليمية الصغيرة. القتل يتواصل يومياً في غزة، وكل الضجة والجلبة خارجها ليس له علاقة من قريب أو بعيد بالمصلحة الآنية للشعب الفلسطيني. على الفلسطينيين قبل غيرهم أن يعرفوا هذه الحقيقة، وعلى القوى الوطنية كافة في غزة أن تتقدم خطوة إلى الأمام وتغير من الواقع على الأرض، فــ «حماس» ليست غزة، وغزة ليست «حماس».

متى خرج الفلسطينيون في غزة من تحت عباءة خالد مشعل وإسماعيل هنية فإن الأمور ستسير باتجاه منطقة الانفراج، وإلا فإن المزايدين الفلسطينيين على قضية الحرب سيفعلون كل ما في وسعهم في استخدامها لتحقيق مصالح الخارج، وليذهب من يذهب من الفلسطينيين الأبرياء إلى الجنة أو النسيان لا فرق. على المواطن الفلسطيني الحر من أي أيديولوجية أن يتحرك لإنقاذ أهله، مفرقاً ما بين حروب المقاومة التي لا تتطلب توازناً في القوى وحروب المواجهة التي تلعب فيها توازنات القوى دوراً محورياً في توجيه النهايات. عليه أن يعرف الفرق ما بين مقاومة الفلسطينيين من أجل فلسطين ومقاومتهم من أجل دول أخرى لا علاقة لهم بها. متى ما أدرك الفلسطينيون حدود هذه المعادلة، وعرفوا أن «حماس» تعمل بالوكالة على أرضهم حالها كحال «حزب الله» في لبنان، فإنهم قادرون على صناعة «ربيع غزة» الذي سيخرجهم من الحرب إلى السلام.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث