مدن الصيف: مصابو الحنين

مدن الصيف: مصابو الحنين
المصدر: سمير عطاالله

في العشرين قمت برحلتي الأولى على طائرة شحن من طراز فايكونت ذات أربعة محركات، كلما حلقت فوق مدينة فيها محطة وقود، هبطت وتزودت. ركبت الطائرة، مع ثلاثة مسافرين آخرين، وكأنني أستقل سيارة السرفيس إلى نزلة المنارة. كانت الأشياء متساوية وسهلة، والعشرين مهرا في الاندفاع جملا في التحمُّل.

أول محطات التزود بالوقود كانت في مدينة باري الإيطالية. نزلت من الطائرة لأشتري بطاقات بريدية أكتب عليها حنيني إلى بيروت بعد ثلاث ساعات وأتحدث فيها عن الشعور «بالغربة» والمنفى، كما كان شائعا تلك الأيام. فأنت في الحب روميو – مع وقف التنفيذ والحمد لله – وأيضا شكرا لجولييت، لأنها فتاة عاقلة تريد موظفا تتزوجه وليس أن تنتهي في مسرحية شكسبيرية. وكان العصر رومانسيا لا «تطبيقيا»، وعبد الحليم يغني «نار يا حبيبي نار». وكنت تعتقد أنك في الشعر مشروع إيليوت آخر، وفي الرواية المنافس التالي لأرنست همنغواي.

لكن حتى هذه اللحظة، أنت مسافر على طائرة شحن بتذكرة تدبرها محامي الشركة وزميلنا المحترم باسم الجسر.

كنت أنوي التخلي عن بيروت إلى زمن طويل، متمردا على كل ما أنا فيه، باحثا عن البعد والبدء في أرض أخرى، معتمدا موازنة ضئيلة أبني بها قصور المستقبل وأمجاد الأدب العالمي، فإذا بي أصرف منها الفاتورة الأولى ثمنا لبطاقتي بريد من باري، التي جعلها موسوليني مركز بث لإذاعته العربية خلال الحرب. كان يريد أن يغطي فظاعة الاستعمار الإيطالي في ليبيا، بلاد الشهيد الجليل عمر المختار والمجاهد إدريس الأول.

وأنا أشتري البطاقتين من امرأة المطعم السمينة البيضاء في باري، لم أكن قد قرأت بعد قول غوته إن الكتّاب قوم مصابون بمرض الحنين، في بحث دائم عن أرض جديدة. فيروز وضعت ذلك في إناء أكثر بساطة وشجى: «أنا عندي حنين – ما بعرف لمين».

في العشرين تكون فيروز فيضك. في السنين البعيدة تصبح بقاياك. المدعي العام الذي ينادي في محكمة العمر على شهودك من الماضي. الصوت الذي يعير حنجرته إلى فؤادك لكي يغني «وينن». أفسدتنا فيروز. جعلت حكايات حبنا تبدو أكبر مما هي، وصورت لبنان أكبر وأشجى وأجمل مما هو.

واستغل عاصي ومنصور هذه الجوهرة المغنية لكي يبنوا لنا فرحا افتراضيا، ويهوِّنوا خيباتنا، ويجمّلوا غرائز اللبنانيين وابتذال حياتهم الوطنية. لكن صوتها كان أجمل شيء تحمله معك في السفر. كان يستحضر لك لبنان في وحدتك ويهدهدك في سرير البعد والحنين.

إلى اللقاء..

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث