العمود الأسود

العمود الأسود
المصدر: سمير عطا الله

تأمَّل الصورة التي أمامك: عمود من الدخان الأسود يفرش الظلام على غزة، وأطفال في أكفان صغيرة بيضاء، ونساء تنوح، وركام متجمع فوق ركام ما قبله. في مقابل هذه الصورة هناك الدعم العربي: الأمين العام للجامعة يستنكر وحشية العدوان. ثمانية تلفزيونات في لبنان توحِّد نشرتها الإخبارية وتبقي انقسامها حول الفلسطينيين مفتوحًا. و«الجزيرة» ترحَّب بجميع الرسائل المستنكرة للعدوانين، المصري والإسرائيلي. الأول، أولًا.

هذه الصورة المزدوجة عمرها ستون عامًا. عربدة إسرائيلية في كل مكان، ونشرة أخبار موحدة تنقل لك (بالألوان) موجز غزة. نزلت إلى المرتبة الثانية أخبار الانحطاط العام وانهيار الدول ومجازر الإخوة ومهرجانات القتل الوطني. فقط من باب الخجل من الناس، قدمنا موت غزة على موت سواها. ولم نوحِّد بعد حماس وفتح، لكننا وحدنا نشرة أخبار المساء في بيروت.

ستون عامًا وهي تقصف. في العراق تقصف. في تونس تقصف. في سوريا تقصف. في لبنان تجتاح بيروت وتمنع دفن الموتى. في المخيمات تقصف. في العواصم تغتال. في الأراضي تبني المستعمرات. في المسجد الأقصى تحدد أعمار المصلين. أمجاد يا عرب أمجاد.

تأمَّل صور غزة لكي ترى بوضوح الصورة العربية. لكي ترى أن العرب مستعدون للموت بالآلاف من أجل الأنظمة. لترى أن العراق يحترق من أجل صاحب «دولة القانون» وريث دولة النشامى والماجدات والأرامل والأيتام والمشردين. تأمَّل الصورة جيدًا ولا تبكِ على الظاهرين فيها، بل على الذين يخفيهم الدخان الأسود الكثيف. ألم تشاهده في الكويت من قبل؟ ألم تشاهده في بيروت؟ ألا تشاهده في البريقة وطرابلس ودرنة؟ ألا تشاهده في الموصل؟

تأمَّل جيدًا هذا العمود الأسود مثل حاضر الأمة. استمع إلى أصوات القصف برًا وبحرًا وجوًا، ثم استمع إلى تصريحات نتنياهو. وبعدها، شنِّف أسماعك بغثيان الألفاظ والبطولات التي لا تهزم سوى الأهل والجيران والآمال والقيم والأخلاق والحياة. غزة مجرد مهرجان قتل آخر منذ 1948، دول تتمشى وتحتل وتتغطرس وتفقع في عيون الأمة عمودًا من الدخان الأسود، وأمة فقدت ماء الوجه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث