المقاومة كعصيان على الهزيمة والموت

المقاومة كعصيان على الهزيمة والموت
المصدر: موسى برهومة

لا ينطفئ فعلُ المقاومة، لأن وعياً جديداً تبلور في الوجدان الشخصي للفرد، ولا تتبدّد المقاومة، كفعل اضطراري لدفع الأذى، لأن نتائجها ليست مضمونة، أو لأن الخصم فتّاك ويحوز ترسانة ضخمة من الشر، كما هي حال دولة الاحتلال الإسرائيلي. المقاومة تبقى ماثلة بعيداً من الحسابات السياسية، وتوازنات القوى، والاستخدامات الأيديولوجية لهذا الطرف أو ذاك. أن تقاوم يعني أن تعلن العصيان على الهزيمة والموت.

ويستدعي هذا الموقف ميراثاً طويلاً من الأدبيات والحكايات والمحطات التي قاومت فيها فئة صغيرة فئة كبيرة فهزمتها أو انسحقت أمامها، لكنها لم تستسلم، ولم ترفع الراية البيضاء. لقد فُرضت عليها المواجهة، وبات الخصم على مقربة من فناء البيت أو تخوم القلب. إذاً فليصمت هذا القلب بطعنة نجلاء، أو برصاصة تثقب شرايينه، عوض أن يحيا مسربلاً بالعار والذل والخوف، أو الموت كمداً وهمّاً!

وإذا لم يكن من الموت بدّ/ فمن العار أن تموت جباناً، على ما قاله وفعله الشاعر العربي المتنبي الذي استشعر لحظة التاريخ الكثيفة حينما تروي واقعة الفناء النهائي، فهي إما أن تكتبه بحروف من نور وفخار، وإما أن تدفنه في زاوية مغبرّة من الذاكرة، ولا يأتي استدعاؤه إلا في معرض النقيصة.

هكذا، يتشكل الوجدان الجمعي للأمم، في الماضي والحاضر. الناس تشيد بالبطولة، وتقيم لها النُصب والتماثيل والميادين، ويشرع الفنانون في رسم التجليات العبقرية لإرادة الإنسان الحرة، وهو يصارع الموت فيصرعه بإيمان وصبر وعزيمة، لأن حقاً يضيء بنوره المقدس قلبَه، وهو من أجل هذا الحق يبذل روحه رخيصة، حتى لو لم تكن الميثولوجيا الدينية حاضرة في تلك القنطرة ما بين الموت والحياة.

الشعوب تزهو بأبطالها، والأشخاص يختالون بذويهم الشجعان الذي هزموا الخوف، وانتصروا للحياة، لإيمانهم بأن طغيان الشر، وتمدد العتمة، وغطرسة القوة المنفلتة من عقال الحق والأخلاق، يجعل العالم غابة من الوحوش وقطاع الطرق واللصوص. فالإنسان بطبعه توّاق للخير، كاره للأغلال، تائق إلى العدل والسلام.

فلماذا، إذاً، يُلام المرء إن هو دعا إلى مقاومة قوة احتلال غاشمة مدججة بالحقد والرغبة في إفناء الخصوم. هل المطلوب، حتى يكون المرء معتدلاً وعاقلاً وبراغماتياً، أن يكون منزوع الحماسة، أو أن يفرش درب المحتلين بالورود، ويرشّ على دباباتهم ماءَ الترحاب والبهجة؟

أم إن المطلوب منه أن يعمل بعقلية المحلل الاستراتيجي الذي يزن بعقله البارد، المحشو بالأرقام، الترسانة الحربية وعناصرَ التفوق الحربي لكل من الطرفين «المتنازعين»، فيشرع في لوم الضحية لأنها خدشت كبرياء الجلاد واستفزت كرامته، فأرغمته على هذا الرد القاسي الذي استُخدمت فيه عشرات الآلاف من الأطنان المتفجرة؟

وأما لوم الضحية وهي تغرق في دمائها، ومطالبتها أن تركع، وتقبل بأية شروط، وتُسقط سلاحها، وتعلن التوبة، فذلك لا يعني سوى ترصيع صدر القاتل بالأوسمة والنياشين، وفتح بوابة الذل على مصراعيها.

هي الكرامة ما تبقى للفلسطيني بعدما خسر الأرض والوطن والبيت والأمان وضحكة الأطفال. فلماذا يُلام إن هو تشبث بها. لماذا ينبغي إقناعه بأن الصواريخ اليدوية الصنع، أو الأسلحة التي لا تضاهي أسلحة إسرائيل هي ألعاب أطفال عليه أن يرميها في البحر. لماذا هذا الإصرار على قتل الروح، وإعدادها للخنوع الأبدي المطلق؟!

المقاومة، في شكلها العسكري، هي بوابة المقاومة في شكلها المدني. وبالتالي فإن شعباً مهزوماً، وأمة تجرّ عار الخسارات، وأفراداً مطأطئي الرؤوس، لا يمكنهم الانتساب إلى المستقبل. الهزيمة خروج كامل من التاريخ!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث