في بلاد الكوابيس

في بلاد الكوابيس

سمير عطا الله

كان جانغ جين – سونغ الشاعر المعين في بلاط «الزعيم المحبوب» كيم جونغ إيل، نجل الزعيم المحبوب كيم إيل سونغ ووالد الزعيم المحبوب كيم جونغ أون. ربما كانت الترجمة الأفضل «الزعيم العزيز» لكن منذ أن ظهرت مناشير كيم إيل سونغ في بيروت على أيدي مترجمين من درجة لا تصنيف لها، سمي هكذا، فلنعتمدها.

أصبح جانغ شاعره المكلف منذ أن كتب له قصيدة في ذكرى مولده. قصيدة مطلعها: «غابت شمس الغرب مع غرق التيتانيك وبزغت أنت يا شمس العالم الباسمة».

بعد سنوات، فر جانغ إلى كوريا الجنوبية حيث وضع كتابه «الزعيم العزيز» أو «يا زعيمي العزيز»، الذي أقرأه متقطعا منذ صدوره قبل أسابيع. لماذا متقطعا؟ لأنني لا أقوى على القراءة فيه طويلا، وفي الوقت نفسه أشعر بإهانة لمهنتي إن أنا رميته جانيا، كما يخطر لي صفحة بعد صفحة.

كأنك تدعو نفسك إلى كابوس. وإذا حاول أحد إخراجك منه بإيقاظك، تقول له دعني وشأني، فإني أريد أن أتأكد هل إن هذا الأمر محتمل حتى في الكابوس؟ لا تحاول أن تتخيل ووفر على نفسك أيضا قراءة الكتاب. لن يفزعك كيف يعيش الناس في ظلم الزعيم المحبوب بل سوف يفزعك أنك تعيش في هذا العالم الذي يتغاضى عن مآسي ملايين البشر ولا يتذكر بيونغ يانغ إلا عندما يطلق الزعيم المحبوب صاروخا في اتجاه اليابان.

يذهب الشاعر جانغ إلى بلدته بعد غياب فيرى الناس مسلولة الوجوه من المجاعة. ابنة الجيران التي أحبها طفلة تبدو مثل امرأة عجوز فقدت أسنانها. أصدقاؤه في أحذية مهترئة أو مثقوبة. يقرر أن يذهب مع أحدهم إلى السوق ليشتري له حذاء. لكن بدل رفع يافطات عليها الأسعار، يقرأ في السوق اليافطات التالية:

«الموت إعداما بالرصاص لمن يخالف قوانين السير»، «الموت إعداما بالرصاص لمن يدخر الطعام»، «الموت إعداما بالرصاص لمن يبدد الكهرباء»، «الموت إعداما بالرصاص لمن يقطع خطوط الاتصالات العسكرية»، «الموت إعداما بالرصاص لكل من ينشر الثقافات الأجنبية»؛ «الموت إعداما بالرصاص لمن ينشر الإشاعات».

ما إن فرغ من قراءة تعليمات الزعيم المبجل حتى سمع صوت صفارات الإنذار فتجمدت عروقه. قال له رفيقه: اللعنة. سوف تكون هناك محاكمة وإعدام ولن يسمح لنا بالمغادرة قبل انتهائها. بعد قليل ظهر ضابط وجنديان وأمامهما رجل مرتعد. قرأ الضابط الحكم، ثم أغرق المحكوم بالرصاص والدماء.

قال له أبناء بلدته إن هذا مشهد أسبوعي. تختار السلطة السوق لمسرحية القتل لكي تلقن درس الصمت لأكبر عدد من الناس. لا أسعار في السوق: «الموت إعداما بالرصاص لمن يدخر الطعام».

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث