في ثقافة الدولة

في ثقافة الدولة
المصدر: عناية جابر

غريب أمر الثقافات في بعض الدول. فهناك أصناف منها لا تقبل الفساد في سلوك مسؤوليها. لا بل تعتبره خطيئة وجرماً يعاقب عليه القانون. هذا ما فهمناه من خلال الأنباء التي تصلنا من فرنسا هذه الأيام. فالقضاء الفرنسي يلاحق الرئيس السابق لفرنسا السيد نيكولا ساركوزي في قضية فساد وفي استعمال مركزه للحصول على مزايا ومصالح خاصة. الرئيس السابق في التوقيف الاحتياطي للتحقيق معه بالتجسس على القضاء عندما كان رئيساً. يتجسس على القضاء الذي كان وضعه على لائحة التنصت القضائي في قضية فساد.

بمعزل عن شخصية هذا الرئيس المثيرة للجدل اثناء ممارسته لمهماته العليا والذي بتوقيفه يسجل سبقاً في سجل الرؤساء الفرنسيين، بمعزل عنه إذن فإن ما تثيره القضية من حيث محتواها وأبعادها هي المهمة. أن يتدخل رئيس للجمهورية بالملفات الاقتصادية العائدة للقطاع الخاص هي القضية. أن يقوم بالتدخل هنا وهناك ويعد الناس بالمناصب والمكارم الرسمية لقاء مصالح خاصة هي القضية وليس فقط أن يكون فاسداً على الصعيد الشخصي. أن تخترق الدولة أجهزة وشبكات غير رسمية توزع المصالح الاقتصادية والمناصب السياسية والادارية العليا وتسيطر عليها وبرعاية أعلى المسؤولين في الدولة هي الفضيحة التي يحاول القضاء المستقل ببلد مثل فرنسا ان يضع اليد عليها.

الفضيحة ليست في خروج شخص فردٍ عن الصراط المستقيم بل تتمحور حول بروز نسق كامل من السلوك غير القانوني في الدولة، عن ثقافة الدولة كما راكمتها خلال عقود لا بل قرون طويلة. فما يحاول القضاة الفرنسيون جلاءه، وقبلهم القضاة الإيطاليون، ليس انحراف ساركوزي بالذات بل انحراف الدولة عن صورتها ومضمونها، عن فلسفتها كما يفهمها الناس وكما حددها القانون الذي يحكم علاقات الناس فيما بينهم كما علاقات الناس مع السلطة والدولة كذلك.

لقد راكمت البشرية في تطورها التاريخي ثقافة عن الدولة جعلتها قاعدة سلوكها وضبطتها بقوانين صارمة تمنع الدولة من الإنفراد والتفلت من القانون الذي عليه أن يحكم الجميع. فإذا حاول مسؤول تجاوز الصلاحيات المنصوص عنها بالقانون عوقب على هذا التجاوز بشدة. لكن الموضوع المطروح على الفرنسيين اليوم وعلى قضاتهم يتناول قضية تتجاوز الاشخاص لتصل إلى إنحراف في سلوك الدولة ذاتها. ثقافة الدولة بما هي قواعد وسلوك أصيبت ربما ببعض التحوّل.

يحاسب المسؤول في السلطة عادة من خلال قناتين اجتماعيتين: سياسية أمام الناخبين الذين يحاسبون السياسيين على سلوكهم ونتائج أعمالهم، وقضائية إذا ما تناقضت سلوكياتهم مع القوانين المرعية الإجراء. لكن القناة الأولى، المحاسبة الانتخابية، أخذ يصيبها الصدأ. ذلك ان الدول في العالم قد تعرضت لتغيّرات ضخمة لم تنعكس بعد في الأنظمة والقوانين. فالتجمعات والتكتلات السياسية الجديدة بين الدول تجاوزت الدولة بحدودها القديمة وجرّدتها، على ما ظهر، من صلاحياتها وأطرها القديمة. جوّفتها من الداخل وتركتها في حالة من التناقض بين السيادة الشكلية التي تتمتع بها وبين فقدانها لهذه السيادة بالواقع. فالتنظيمات ما فوق الدولتية التي أقامتها الحكومات برضاها لكي تنظم التكتل الجديد أخذت تحتكر وتصادر السيادة والقرار الأعلى على نحو غير مباشر.

المعضلة هنا تتمثل في التناقض بين منظمة او هيئة بيروقراطية تمارس الحكم من دون محاسبة ذلك أنها غير منتخبة بل معينة تعييناً، وبين حكومات تحاسَب، لأن منتخبة، لكنها جُردت برضاها من قدرة القرار والتقرير. ومن هيئة تحكم ولا تحاسَب إلى حكومة تحاسَب ولا تحكم انزلقت ثقافة الدولة إلى أمكنة رمادية تتيح تجاوز القانون وبروز نواة شبكات مصالح ومجموعات ضغط، طغمة مالية-سياسية، تنتزع من الدولة صلاحياتها على نحو خطير. من جهة ثانية أدى قيام شركات ضخمة عابرة للقارات تتمركز بين يديها إمكانات مادية واقتصادية هائلة إلى تجاوز طاقة الدولة الإقليمية الواحدة مما قاد بالنتيجة العملية إلى قضم مساحة إضافية من سيادة الدولة-الأمة. فوجود منشآت اقتصادية بحجم يتجاوز حدود الدولة منع الدولة من بسط سيطرتها القانونية والضريبية على المنشأة وجعلها على العكس تابعة لها ولمصالحها بالعالم. تغير أحوال الاقتصاد بالعالم والتنافس الكبير جعلا من الدولة جرماً تابعاً لا يستطيع قيادة المجموع كما كان في السابق.

من هذه الشقوق الجدية في بنيان الدولة ومضمونها الفلسفي، تمكنت فئات في السلطة، لم تعد تحاسَب فعلياً، من خلق شبكات مصلحية مع عدد من رجال الأعمال والمصارف والمال تتبادل معها المصالح والمنافع بدون حسيب أو رقيب. تحوّل دور السياسي هنا إلى مشرّع قانوني لنشاط الشركات الاقتصادية ولا سيما المالية منها. صار دوره ليس ضبط المصالح وفق مصلحة الدولة بل ضبط الدولة وفق مصالح الشركات الكبرى المسيطرة بالعالم. هذه العلاقة الجديدة غير المسبوقة منحت السياسي فرصة عقد صفقات خاصة مع شبكات الأعمال خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالصفقات الدولية التي تحتاج إلى تدخل السياسي.

عندما تتيح التغيرات الدولية للسياسي أن يتفلت ويتحرر من المحاسبة السياسية بحجة فقدان السيادة أمام هيئات تعلو الدولة يكون هامش غير قانوني قد خلق على نحو موضوعي. في هذا الهامش وجد المجتمع نفسه فجأة بدون سلاح جدي. لم يعد أمام الناس إلا القضاء والقانون. ومن هنا ازدهار عالم الفضائح السياسية التي تسوّد صفحات الصحف كل صباح. في هذا السياق ليس تفصيلاً أن توافق فضيحة ساركوزي، وفي نفس الوقت، فضائح أخرى تطال رئيس حزبه الحالي الذي اضطر إلى الاستقالة بالإضافة إلى مسؤولي حملته المالية الانتخابية.

انفتاح الحدود بين الدول ونشوء الشركات العابرة للدول وبروز «حكومات» تدير ولا تحاسَب، عوامل قادت إلى تضييق هامش الدولة وصلاحياتها، لكنها أدت من ناحية ثانية إلى تضخم دور السياسي الغارق بعالم الأعمال والمال بدون حق. الدولة، دولة الحق، ثقافة بحاجة إلى تطوير سريع يتلاءم مع التغيّرات العالمية حتى لا نتفاجأ كل يوم بساركوزي جديد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث