الكويت… الأزمة الأعمق!

الكويت… الأزمة الأعمق!
المصدر: محمد الرميحي

رمضان في الكويت مختلف، تنتعش، رغم حرارة الجو، الديوانيات بسبب الزيارات المتبادلة للتهنئة، ومعها تنتعش سوق الإشاعات السياسية وكذلك رسم خطوط التماس، خاصة في الجو الملغوم الحالي، وهو جو غير مسبوق بمفرداته وقضاياه.

هناك نمو في الصراع السياسي على جانبين؛ الأول في البيئة الجغرافية المحيطة، والثاني في بيئة الصراع السياسي الداخلية التي لم تشهد الكويت مثل مستواها منذ ثلاثة أرباع القرن. أخطار البيئة المحيطة واضحة المعالم، سواء في الشمال العراقي أو في الغرب السوري أو حتى في الجنوب اليمني، وبعضها ذو تأثير مباشر على الكويت، ولكن الصراع الأهم وغير المسبوق هو خلاف اللاعبين على مستوى عال في الصراع الداخلي، الذي ترتب عليه انشقاق مجتمعي، هذه المرة ليس بين السلطة والمعارضة، بل بين بعض من هم محسوبون على السلطة، في تحالف علني غير مسبوق وغير مفهوم مع المعارضة.

اختلاط الأوراق ينذر بشر مقيم، ويفرز أشكالا مرضية للنهم على السلطة، فلأول مرة يطال الصراع بشكل شخصي، أشخاصا لهم مكانة سياسية متقدمة في المجتمع، وأيضا يطال، وهو الأكثر خطورة، السلطة القضائية، التي أصبحت محط تهديف سياسي أيضا غير مسبوق، وهي سلطة واجب الجميع الحفاظ على استقلالها.

لا أرغب، وربما لا يحق لعاقل أن يدخل، في هذه المرحلة على الأقل، في تفاصيل خلاف منظور جله أمام القضاء، الذي أرى أنه كلما سرع في قول قاطع ونهائي في ذلك الملف الشائك، كان ذلك بردا وسلاما على أهل الكويت ومحبيها، ولكني أرى أن القارئ يستحق أن تُعرض له بعض أمور ربما تساعد على فهم الصورة العامة. ألخصها في النقاط الخمس التالية:

أولا: أن هناك تحالفا واضحا بين معارضة، متعددة القوى، وهي المعارضة التي ترفض التعديلات الأخيرة على طريقة التصويت في الانتخابات (صوت واحد للمواطن الواحد) بين هذا الطيف من المعارضة، مع أطراف في السلطة، بعضها واضح المعالم بشخوصه المعلنة، ولا يخفى شغفه بالسلطة، بصرف النظر عن الأدوات المستخدمة، وهو تحالف يجري أول مرة بشكل علني. هنا تفقد المعارضة كثيرا من المتعاطفين معها، لأنها لجأت إلى ما يتجنب تقليديا أهل الكويت الابتعاد عنه، وهو التحالف مع بعض السلطة ضد بعضها الآخر، ذلك أمر الحكمة الشعبية المستندة إلى تجارب طويلة وكثيرة تتوجه دائما تبقيه خلف أبواب مغلقة وتترك للمتنافسين الوصول إلى حلول بينهم، عندما تتخطى المعارضة ذلك الخط الفاصل تدخل في مياه عميقة وتخرج أهدافها من إطار المصالح العامة، إلى تحقيق طموحات لأشخاص في السلطة دون آخرين، تلك مغامرة خطرة، وقد يقود الأمر إلى انتكاسة في المطالب الوطنية العامة، كما يؤدي إلى تآكل قواعد المعارضة، التي تجير الآن إلى ترجيح محاسن عند البعض غير موجودة، وتسفيه مناقب عند البعض الآخر مضخمة. عدا أن فتح معركة مع السلطة القضائية يعرض الثقة العامة في القضاء للاهتزاز.

ثانيا: لأول مرة أيضا تخرج إلى العلن اتهامات من شخصيات نافذة في السلطة ترقى إلى تشويه سمعة الآخر وتخوينه، وهي اتهامات تسارع إلى أخذ الصراع خارج قواعده المعتادة، ليصبح صراع وجود وتطاحن، مما يسبب شرخا عميقا وغير قابل للعلاج في داخل السلطة نفسها وفي المجتمع، حيث وصلت الأمور إلى أعلى سقف يمكن أن تصل إليه، دون مسوغ يراه العقلاء مقنعا لكل تلك الاتهامات التي تهدف إلى قتل الشخصية المنافسة معنويا، لقد أخذ الكويتيون على حين غرة بإعلان تلك الاتهامات التي تحولت إلى الجهات القضائية، ثم بدأ التشكيك في نزاهة القضاء، وهي عملية دائرية، تخرج الأمر من صراع سياسي إلى تطاحن لا مرجعية له.

ثالثا: رغم كل ما يدور حول المجلس التشريعي (البرلمان) فإنه يحقق خطوات إصلاحية، كمثل السماح قانونا للمواطن العادي، في حال الضرر، أن يلجأ إلى المحكمة الدستورية، التي كان اللجوء إليها مقيدا في السابق، كما يحقق في أمور أخرى، مثل التأمين الصحي للمتقاعدين، إصلاحات شعبية، إلا أن الاستقالات من أعضاء البرلمان الخمسة قبل أسابيع ومن ثم الذهاب إلى انتخابات تكميلية، جعلت الجمهور العام يجفل أمام المجلس وتركيبته الحالية، في مطالبة عامة تتصاعد بإجراء انتخابات مبكرة على ضوء تبدل المزاج في الشارع الكويتي، وأحسب أن الخطوة الأخيرة (انتخابات مبكرة في الخريف على أبعد وجه) قد تخفف من حدة المزاج الشعبي السلبي وتعيد شيئا من التوازن، كما تحقق لمن يرغب في مراجعة النفس أن يلتحق بالعمل العام من خلال المؤسسات، لا من خلال الصراخ خارج المؤسسة، لأن الأخيرة، الصراخ من خارج المؤسسة، لا تروق لجملة الناخبين الكويتيين، بدليل الانصراف عن التجمعات الجماهيرية التي دعت إليها أطراف في المعارضة في الشهر الماضي، وأيضا بسبب التخوف العام من المخاطر الإقليمية التي تنذر بعواصف قد تصيب الكويت ببعض رياحها العاتية.

رابعا: الأكثر فعالية والأكثر تنظيما في المشهد السياسي الكويتي، هم جماعة الإسلام الحركي، بشقيه الإخواني أو التيار السلفي، والإسلام الحركي يواجه صعوبات جمّة ضده في بلدان عربية عديدة، سواء في مصر أو المملكة العربية السعودية أو الإمارات، كما ينظر إلى هذا التيار بالكثير من عدم اليقين في مناطق عربية أخرى، وصلب الحراك الشعبي الكويتي، أو قل هيكله الشبابي، هو من ذلك التيار الحركي الواسع، وتعتمد عليه المعارضة بشخوصها التقليدية في الحشد، كما يعتمد هو على الشخوص التاريخية من أجل عدم الظهور الواضح في الواجهة، إلا أن المطلعين على الأمور يعرفون أن هناك عملية تساند تكتيكي للوصول إلى الهدف، بين شخوص تاريخية في المعارضة وبين قطاع واسع من الإسلام الحركي، أضيف إليها مؤخرا بعض من كان في السلطة، فأصبح لدينا تحالف مصلحي، مرتكن إلى تيار الإسلام الحركي، وهو ما يهدد هذا التيار بمواجهة ما، واجهته أطراف أخرى منه، في بلدان أخرى، وهو المنع القانوني، ذلك احتمال ممكن كلما ظهر إلى السطح وجه التيار الحركي في تحالفه مع الغير واشتد الصراع وتحول إلى شخصاني.

خامسا: البيئة الخليجية أيضا تتهيأ لتغيرات، فقد اتضح أن التحالفات الدولية السابقة، خاصة مع دول كبرى، لم تعد بقادرة على تلبية الطلب على استتباب الأمن الإقليمي، لأسباب خاصة بها، ولم يعد الأمن الإقليمي بقادر على الانتظار أكثر، دون أن يكون هناك تقارب وتنسيق أكثر مما هو حاصل في إطار مجلس التعاون، والخطوة التي أقدمت عليها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات من تحالف استراتيجي عميق الإطار، بانتظار حسم موقف كويتي، ما زال غارقا في شؤون الداخل، وموقف الكويت مفصل مهم في سلسلة الترابط الخليجي المرتجى، وربما الأكثر حاجة أخذا بالتطورات الإقليمية المتسارعة، وهو أمر التهى عنه أهل السياسة في الكويت، نتيجة تفجر الموقف الداخلي ذي العناصر غير المسبوقة في تراث السلطة الكويتية.

لم تعد الأزمة السياسية الكويتية تحتمل التأجيل أو أنصاف الحلول، كلما تركت تآكلت صدقية العمل المؤسسي وعرضت الدولة والمجتمع إلى أخطار، قد لا يكون البعض محيطا بها.

آخر الكلام: رمضان كريم..

“الشرق الأوسط”
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث