كلام عائد من بطرسبرغ

كلام عائد من بطرسبرغ

سمير عطا الله

سألتُ روسيّا في نيويورك عن موقفه من فلاديمير بوتين. قال في الحدَّة الروسية المعهودة: «اسمع. نحن بلد تعوَّد الاستباحة والخسارة. أراد مهووس فرنسي احتلالنا. وسعى مجنون ألماني إلى ضمِّنا. وهزمَنا الأميركيون في كوبا. ثم هزمَنا فلاحو أفغانستان في كابل.

دعني أقل لك إن بوتين لا يُحَب، لكنه يُحترم لأنه يؤتمن. إنني أعرف أنني أمام رجل تهمه حياتي كمواطن، سواء كنت في نيويورك أو في بطرسبرغ التي عدت منها قبل أيام. وماذا رأيت هناك؟ شقيقتي تشكو من الغلاء. وأبناؤها يشكون من أقساط الجامعة. وزوجها يشكو من الإرهاق. لكنهم جميعاً يرون التعويض في الأمان الداخلي والخارجي الذي يوفِّره بوتين.

«دعني أقل لك. أنتم في الخارج تقارنون الرجل بباراك أوباما أو فرنسوا هولاند. نحن نقارنه ببريجنيف أو أندروبوف أو بوريس يلتسين، بل حتى بميخائيل غورباتشوف. دعني أخبرك شيئاً ما. مثلاً ما. لقد نشأت – مثل بوتين – في ظل الحزب الشيوعي. وتعلمت وعلمت أن لا قيمة للفرد. المجد للحزب والعزَّة للحزب وليحيا الأمين العام.

كنا جميعاً نعرف مَواطن الخلل والضعف. ونعرف أن الناس لم تعد تصدق، وإنها تريد أن تعيش.

وكنّا نعرف أن شعوبنا لم يعد يهمها ترابط هذه الإمبراطورية العظيمة. هل تعتقد أن الإمبراطورية السوفياتية كانت شيئاً بسيطاً، أو هي أقل من الإمبراطورية البريطانية أو الأميركية؟ طوال قرنين ظل مغول جنكيز خان يبقرون أحشاء روسيا. فماذا فعلنا؟ أعدناهم رعاة في منغوليا يربّون الأغنام والإبل. وماذا فعلنا برجال هتلر ونسائه؟ لكن الكرملين لم يعدل في حق الروسي نفسه ولم يعرف كيف يحفظ له كرامته.

دعني أعطيك هذا المثال الذي لا يفارقني. ذات مرة استقبلنا تاجر من فنلندا. وقال الرجل في صوت هامس إن حساسات الدول الإسكندينافية استشعرت زيادة في الإشعاع النووي القادم من عندكم. أقلقني الخبر. ثم ذات يوم سمعت مذيع أخبار التاسعة يقول: «لقد وقع حادث في محطة تشرنوبيل لتوليد الطاقة فتعطل أحد المحركات والخطوات جارية لإلغاء المضاعفات، كما أن الحكومة تقدم المساعدات لمن يحتاجها».

تلك كانت قيمة الإنسان في النظام الشيوعي. أكبر كارثة نووية مدنية في التاريخ ليست سوى حادث. مقتل 40 ألف إنسان ليست سوى حادث. الدمار الذي لحق بالمواسم والأرض والمزارع إلى عشرات السنين، لا يستحق تنبيها للمواطنين.

«ما أريد أن أقوله لك هو أنكم في الخارج تكرهون صلافة بوتين، أما نحن فنحبه. نعرف أن معه لن نُهان بعد اليوم. لا الكرملين سوف يبلغنا أن حادثاً وقع في تشرنوبيل ولا أن الفلاحين الأفغان سوف يطردوننا على أعقابنا».

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث