رجال كل العصور!

رجال كل العصور!

خيري منصور

تلك سلالة لا تنقرض ما دام التاريخ ملغوماً بأمثال «دراكولا» و «نيرون» ومن هم على هذه الشاكلة، لأن الطاغية الذي شَوَى الشعراء ذات يوم داخل حافلة على شكل ثور نحاسي وأخذ يستمتع بأنينهم ليس مشغولاً بأي شيء باستثناء ذاته التي ظن أن ورمها شحم وأن من يسبِّحون بحمده هم بالفعل مفتونون بعظمته.

رجال كل العصور: ملكيون وجمهوريون وثوريون وثوريون مضادون، ومفسدون ومصلحون، هم مع الله إذا اقتضت المصلحة وتحت أقدام القيصر إذا رأوا تغيّر الحال، لأنهم متدينون متطرفون وملحدون!

منذ قرن على الأقل وهؤلاء يقفزون برشاقة القردة من شجرة عناقيدها علقم إلى شجرة مذبوحة من الجذع إلى الجذر، ولهم حاسوب واحد لا يتغيَّر ولا يتطور، كما أن لهم بوصلة تجمَّد السهم فيها على جهة واحدة. إنهم أسرى ثنائية الربح والخسارة لكنهم نادراً ما يخسرون، وهم رهينة حركة الريح، وأشبه بأشجار اللبلاب التي لا تستطيع الوقوف بمفردها لحظة واحدة، حيث لا بد من جدار حتى لو كان بقايا طلل!

جربناهم في الصيف والشتاء والخريف والربيع، وحتى في هذا الفصل الخامس خارج التقاويم كلها، فكانوا عند حسن ظن الشيطان بهم، يقولون في الصباح إن الأرض مستطيلة ولا تدور ويقولون في المساء إنها مستديرة وتدور لكن حول الصنم الذي صنعوه من تمر ثم جاعوا فأكلوه.

إنهم الرأي والرأي الآخر، فقد بشَّروا بالفوضى التي لا تُبْقي ولا تَذَر، ثم امتطوا الوجهة المضادة لها واستبقوا الجميع إلى نقد ما يجري رغم أنهم صانعوه، هؤلاء «سوس» حوَّل أعز المقاعد إلى هباء، فهم المنشار الذي يأكل صاعداً وهابطاً، أغنياء حروب، وتجار سوق سوداء في السلام، مستعدون لقول الشيء وعكسه في أقل من دقيقة واحدة. ويقلبون ظهر المحبة لسادتهم لمجرد أن «العلف» قد توقف.

وإذا كان للحضارات «عث» كالذي تصاب به الثياب أو «أرضة» كالتي تحوِّل الحديد إلى غبار فإن هذه السلالة أخطر من تلك الكائنات وأخطر من فئران سد مأرب، لأنهم يحترفون تهريب الوقائع، وأحياناً يرشون العطر على الجثث.

منذ الجاهلية وهم معروضون للإيجار بدءاً من عكاظ وذي المجاز وليس انتهاءً بمديح البخيل كي يزوج بناته العوانس، كانوا سبب خراب أربع دول عربية وإسلامية بما اقترفوا من تزوير وتبرير فحرَّضوا الأخ على أخيه والابن على أبيه والمسلم على المسلم والعربي على العربي، لأن بضاعتهم هي الثالوث الأسود من: الكراهية والكيدية والثأر، ما يجري لنا الآن لهم نصيب فيه، فحين يفتقر الناس كلهم يثورون، وحين تفتك الكآبة بنا يرقصون، فهل يأتي زمن تنقرض فيه هذه السلالة من رجال كل العصور قبل أن تقرضنا حتى آخر عربي؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث