الحق على العلمانيين.. فقط

الحق على العلمانيين.. فقط
المصدر: مشاري الذايدي

هناك مقولة تنسب للإمام أحمد بن حنبل، وهي: «إنما خطأ الناس من الإجمال». وهي مقولة حكيمة ودقيقة. حينما تطلق حكما عاما شاملا مانعا جامعا ساحقا ماحقا، كما نشاهد – كثيرا – وليس في كل ما يقال في الفضاء العربي العام، فإنك تطلق رصاصة في قلب الموضوعية واستقامة التفكير الصحيح. مع توفر وكثرة المنصات الإعلامية في الإنترنت، لدرجة الفوضى العارمة، يصبح ترويج مثل هذه الأحكام، خاصة المحرضة على الكراهية، خطيرا، ويمسي الوهم هنا قاتلا، وليس مجرد ثرثرة من جاهل لجوج في مجلس أنس ما.

تتضاعف المأساة إذا كان هذا الوهم يحمل طابعا دينيا، أو يتلحف بالدين وقداسة الغيب، هنا تمتزج الآراء الشخصية بالقيم المتعالية المطلقة، تصير «استمزاجات» فلان أو علان، أو خلاصته المبتسرة من مطالعته، هي صميم رؤية المقدس نفسه، وليس رأي فلان «الإنسان» الذي يعتريه النقص والعجز، كما الهوى والانفعال، من غضب أو رضا، وعين الرضا كما نعلم كريمة في المدح والثناء، كما عين السخط سخية في الثلب والهجاء.

الحكم على التاريخ والدول والحقب يتداخل مع هذه العلة التي ذكرنا، ومن ذلك أني قرأت هذه الأيام خبرا في موقع إخباري فلسطيني هو «دنيا الوطن» يقول إن الشيخ الدكتور نادر التميمي شن أخيرا «هجوما لاذعا على الأنظمة والعلمانيين في المنطقة، واتهم بعض المجموعات في سوريا بتشكيل (صحوات) لإحباط الثورة فيها وقيام دولة إسلامية». ويتابع الخبر أن الشيخ التميمي، وهو ابن الشيخ أسعد بن أحمد بيوض التميمي خطيب وإمام المسجد الأقصى الذي كان أحد أبرز المقربين لمفتي القدس الحاج أمين الحسيني، أكد أن «كل هزائمنا في عصرنا لم تكن في ظل دولة إسلامية أو حكم إسلامي، بل كانت في ظل قوانين وضعية وعلمانية كافرة أباحت ما حرم الله وجعلت الأمة تهزم في ساعات».

هذا كلام انفعالي حماسي يحتاج لفهمه أولا، ثم نقاشه ثانيا، إلى منابر ومحارب ربما نفنى ويفنى الشيخ ولم نشف الغليل منها.

ما هو تعريف كلمة دولة إسلامية؟ وما هو تعريف العلمانية؟ وما هو فهمه للهزائم والانتصارات؟ وهل لو سلمنا بفهمه لطبيعة الانتصار والهزيمة، وشكل الدولة الإسلامية والعلمانية التي يريد، سنسلم له بالخلاصة التي وصل إليها عن حصر الهزائم فقط في ظل الدولة العلمانية، حسب فهمه؟

من المؤكد أنه يرى السلطان عبد الحميد الثاني رمزا للدولة الإسلامية التي يتغنى بها، مثل بقية أتباع الإخوانية ومشتقاتها، فهل كان عهد عبد الحميد عهد انتصارات أم هزائم؟ عمر البشير ورفاقه في السودان، ولا نظن الشيخ يشك في مدى إخلاصهم لرفاق الحركة الإسلامية، ألم يشهد السودان في عهدهم التمزق والانفصال والحروب الداخلية وضعف الحال والهوان؟

أفغانستان بعهدة طالبان، كيف حالها؟

نذكر أنفسنا، والشيخ، بما قاله الإمام ابن حنبل، وليس نيتشه وبقية «الإفرنج».. إنما خطأ الناس من الإجمال.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث