أي عصر تنتقي؟

أي عصر تنتقي؟
المصدر: سمير عطا الله

لا أدري من الذي قال، ردا على سؤال، إنه يتمنى لو ولد في القرن التاسع عشر. يخيّل إليّ أن كثيرين قالوا ذلك. كان قرنا هادئا بطيء الإيقاع وغير مكتظ بالناس المتراكضين. أقرأ في مفكرات الفرنسي غوستاف فلوبير، عن حياته في القاهرة العام 1849. يقول: إن الجيزة كان فيها ناعورتان؛ واحدة يديرها ثور، وواحدة جمل، وكان فيها سهل هائل من النخيل. يقول: إنه عندما وقف على فرسه أمام أبو الهول، شعر وكأن هذا الجبار يتطلع إليه في سخرية، فخاف وارتجف.

كانت القاهرة تسحر الكتّاب والرحّالين. لكن جوارها كان مليئا بالمستنقعات، كما نفهم من فلوبير، الذي يروي أنه كان يكتب في «فندق الشرق» على ضوء شمعتين، وبقية النور يأتي من ضوء القمر. لم يكن قرن الصخب قد نخر المدينة بعد. ذهب فلوبير يتأمل الأهرامات في هدوء ومعه محبرة مليئة، ومعه كل الوقت. لا هواتف جوّالة، ولا رسائل نصية تعلمه أن التنزيلات في بيروت قد بدأت على بضاعة الربيع. في شبابنا في القرى عشنا شيئا من القرن التاسع عشر. ضوء القمر وقد تراءى في صفحته وجه ليلى. وصفحة النهر وقد انتقلت الصورة إليها. والحب العذري وقد طاف بالسهول والروابي، وأنت تظن أن ما تكتبه شعر ولا يسبقك جميل بن معمر سوى خطوتين. وفي المدينة يختفي القمر ومعه وجه ليلى، وتكتشف أن الشعر عملية معقدة فتترك بدر شاكر السياب يكتب، وتكلّفه التعبير عن حزنك وخيبتك. وكان مدح جيكور هذا يحمل من الحزن والشعر والخيبات ما يكفي جميع مواويل العراق، وكل ما ينتهي في لبنان من أغان بلازمة «عيني يا موليا».

الحقيقة أنني عندما أستعرض المراحل، أشعر أنه قد يكون من الأفضل إعادة النظر في اختيار القرن التاسع عشر. الكثير من الرومانسية، كثير. ولد الإنسان لكي يعيش في المدن. القرى عزلة تبدو جميلة في الأفلام. جيدة للمتقاعدين في فصل الصيف إذا كنت تحب لعب الورق وطاولة الزهر والنرد. وأنا لا أعرف أيا منها. ومع ذلك يمتعني صوت الصرار يعزف سيمفونية فوق رأسي وأنا أقرأ. أو مرور فراشة تهفو إلى زهرة. أو صوت نحلة يعلن أن الربيع أصبح على مسافة قريبة جدا.

جاء غوستاف فلوبير إلى القاهرة من باريس ولم تكن قد أصبحت مدينة الأنوار بعد. ولا كان فيكتور هيغو قد كتب «البؤساء» (1862) لكي يحذو حذو تشارلز ديكنز في وصف بؤس المدن التي وصفها بايرون بأنها «كتلة هائلة من الآجر والدخان والسفن، قذرة وداكنة، لكنها وسيعة بقدر ما تستوعب العين».

أنت مع المدن أم مع القرى؟ أنا مع القرى في الصيف. وأحيانا في الربيع. وكم هي عذبة ومستسلمة في الخريف. ولها سحر ما في الشتاء لأنه يحمل الذكريات مع أمطاره مثل شعر السيّاب. لكن الإنسان لم يخلق للقرى. لقد اجتاحتها المدن مثل الفيضان العاتي وتركت لك أن تتذكر. أو أن تقرأ «المفكرة الريفية» لأمين نخلة، ألطف ما كتب في القرية اللبنانية.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث