الإيقاع سحر اللغة العربية

الإيقاع سحر اللغة العربية
المصدر: خالد القشطيني

للإيقاع أثر عظيم على الإنسان، سواء جاء في الموسيقى أو الشعر أو النثر أو الفنون التشكيلية. بالإضافة إلى أوزان وقوافي القصيد، توصل العرب إلى تطويره إلى فن المقامات، تلك القناة البارعة للتعبير عن الأفكار الفكاهية، والسخرية، بالإضافة إلى الإبداع الفني. ومنذ أيام الهمذاني والحريري، دأب الكثيرون من أصحاب القلم على محاولة المقامات الظريفة المعروفة بعنوان «مجمع البحرين».

من بين هذه المجموعة المقامة الكوفية، التي تتناول الموضوع التقليدي للفكاهة العربية، وهو مشكلات النحو والصرف. تبدأ بالطريقة المألوفة بسهيل بن عباد يروي ويقول:

«كلفت منذ الصبا بعلم الأدب، وشغفت باستقراء لغة العرب، فكنت أنضي إليها المطايا، وأتفقد الخبايا في شتى الزوايا، حتى كنت يوما بالكوفة، وأنا أتعهد معاهدها المألوفة، وأشهد مشاهدها الموصوفة}..

وهناك يلتقي سهيل بن عباد هذا ببطل المقامات الشيخ ميمون بن هزام يطارح ويطرح مسائل اللغة فيقول: «ما الفرق بين التمييز والحال، وبين عطف البيان والإبدال؟ وأين يستوفى حق الإسناد، ولا يخرج بركنيه عن حكم الإفراد؟ وأين الضمير يتردد بين التعريف والتنكير؟ وأين يراعى ما يقدر ولا يبالى بما يذكر؟ وأي اسم يجتمع فيه خمس من موانع الصرف؟ وأي اسم يشارك الاسم والفعل والحرف؟ وفي أي الأماكن يجتمع ثلاثة من السواكن، وأي فعل يعطى ما للأسماء ويمنع مما للأفعال؟ وأي اسم يجري مع قبيلته على هذا المنوال؟

«فلما وقفوا على تلك المسائل، رأوها من المشكلات، فقالوا له: لله أنت! فقد أحسنت، ولكن لو أبنت».

ولكن الشيخ لم يبن. وترك السامعين والقراء من بعدهم إلى مراجعة شروح الشارحين وتعليق المعلقين في «مجمع البحرين» ليتوصلوا إلى حل هذه الأحاجي النحوية الطريفة. وبدلا من الإفاضة والإجابة، انطلق صاحب الكلام ليحض الحاضرين على طلب العلم فقال:

فاحرص عليه والتقط مسائله

ودع كنوز المال فهي باطله

ولا تبع آجله بعاجله

ولا تضع واصله بحاصله

وأعرض عن الليلة نحو القابله

فذاك مشرب الثقات الكامله

وليس خير في النفوس العاقله

إن غفلت عن القلوب الغافله

قال: فلما فرغ من سحره السحري.. خرجنا نجر الذلاذل، ونحمد البذل والباذل!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث