مقاومة منغلقة على ثقافتها

مقاومة منغلقة على ثقافتها

عبده وازن

لو تمكن حزب الله من جعل «عيد» التحرير الذي يحتفل به في الخامس والعشرين من هذا الشهر، عيداً وطنياً لاحتفل به لبنان كله. لكنّ حزب الله شاء هذا اليوم وقفاً على جماعته ومن جاراها طائفياً وسياسياً، مستبعداً بقية اللبنانيين الذين يعارضون خطابه السلطوي وينتقدون المقاومة بعدما نقلت سلاحها من الجبهة الإسرائيلية إلى الوجهة الداخلية، اللبنانية والسورية. لا ينكر هؤلاء المعارضون التضحيات التي بذلها الحزب لتحرير الجنوب من العدو الإسرائيلي على رغم حصره المقاومة بخطه الطائفي بل المذهبي بل «الولاي- فقيهي»، وقضائه على تاريخ المقاومة العلمانية التي كان استهلها اليسار اللبناني سابقاً وحقق عبرها بطولات وسقط له فيها شهداء.

قد يكون من حق حزب الله أن «يحتكر» المقاومة ويدافع عنها ويقدسها، فهي كانت واسطته لترسيخ مشروعه الأيديولوجي الذي هو أبعد من مقاومة وسلاح وتحرير، هذا المشروع الهادف إلى تحقيق هوية وانتماء يمثلان جوهر وجوده. لم يسع حزب الله يوماً إلى فتح أبواب المقاومة أمام المواطنين الآخرين، على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم، وحدهم جماعة الحزب هم المؤهلون ليكونوا مقاومين. ولم يحاول الحزب أن يؤسس ما يسمى «ثقافة» أو فكراً مقاوماً ما عدا ثقافة الاستشهاد التي تسمى ثقافة الموت.

اكتفى ببعض الأدبيات والقصائد التي نظمها شعراؤه التقليديون، عطفاً على «دينيات» المقاومة وطقوسها وشعائرها والكتب الفقهية التي تناولتها و»نظّرت» لها. لم يترك الحزب مكاناً للآخر في المقاومة، أياً يكن هذا الآخر. إنها مقاومة مقصورة على جماعة دون الآخرين. ومن يؤيدها من هؤلاء الآخرين، إنما من خارجها يؤيدها، سياسياً وليس أيديولوجياً. أما بعض المسيحيين الذين أعلنوا تحالفهم معها سياسياً فهم لم يعقدوا هذا التحالف إلا تحقيقاً لمآرب ومصالح عابرة، كما بات واضحاً ومعلوماً حتى لدى المقاومة نفسها.

والفادح في الأمر أن المقاومة التي انتهجها حزب الله ببسالة، كانت تشبه، في أحد وجوهها، حرب لبنان الأهلية. فالعدو الإسرائيلي الخبيث، وضع على الجبهات الأمامية عملاءه اللبنانيين المنتمين إلى طوائف عدة، ليواجهوا جنود حزب الله ويكونوا أشبه بدرع حماية لجنوده.

الثقافة في مفهومها الشامل، لم تعن يوماً حزب الله ولا المقاومة. لدى الحزب ما يُسمى اكتفاء ثقافياً ذاتياً. هو لا يحتاج إلى أفكار ومقولات غريبة، غربية أو شرقية. لديه اكتفاء أيديولوجي أيضاً ولا حاجة به إلى الحوار الفكري والثقافي مع الآخرين. يذكر اللبنانيون كيف هاجم مرة النائب محمد رعد «الفلتان» الثقافي في بيروت «وأرعد» تهديداً ووعيداً وحجته الواهية أن بيروت لا تنفصل عن «خريطة» المقاومة. لكنه نسي أن يرفع إصبعه ويهزه وكأنه يقول: حذار، حذار، الويل لكم.

لم تبدع المقاومة أدبيات على غرار ما فعلت معظم المقاومات في العالم وفي مقدمها المقاومة الفلسطينية التي ناضلت عسكرياً وثقافياً وأدبياً وشعرياً، وجعلت للثقافة دورها في المواجهة، فالعدو يخشى المواجهة الفكرية والعلمانية مثلما يخشى القتال. فهذه الثقافة قادرة على فضح نزعته الدينية الأصولية، وفكره الإلهي و»التيوقراطي»، وقد تكون الأصولية الإسرائيلية من أبشع الأصوليات الراهنة.

أما «التراث» الأدبي والفكري للمقاومة في لبنان، فهو ما زال وقفاً على ما أنجزه مثقفو اليسار العلماني «القديم» والشعراء الذين يسمون شعراء الجنوب، وقد أبدع هؤلاء شعراً مقاوماً رافقوا عبره لحظة المقاومة المفتوحة ضد إسرائيل. وفي موازاتهم برزت حركة غنائية ملتزمة كان الفنان مارسيل خليفة في طليعتها.

لا تراث شعرياً وفكرياً للمقاومة إلا هذا التراث، وهو وحده الذي يستعاد في ذكرى التحرير الذي أنجزته جماعة حزب الله. أما الحزب فلا يعنيه مثل هذا التراث، هو الذي يحذو حذو الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أيديولوجياً وثقافياً وفكرياً. والخوف ألا تبلغ هذه الجمهورية حدود لبنان الجنوبية كما بشرنا أحد السياسيين الإيرانيين أخيراً.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث