هل أتاكم حديث “الماطيشة”؟

هل أتاكم حديث “الماطيشة”؟
المصدر: إنعام كجه جي

في كل انتخابات هناك فائزون ومهزومون. لكن الطماطم المغربية هي الخاسر الأول في الانتخابات الأوروبية التي تجري، اليوم، في فرنسا. لقد عرقلت الحكومة استيرادها كمناورة انتخابية تقطع الطريق على دعايات اليمين المتطرف، أحد أقوى التيارات الصاعدة في صناديق الاقتراع. إن أنصاره يعترضون على المنتجات الزراعية المستوردة لأنها تنافس بأسعارها المنتوج المحلي. وبين هؤلاء من يشن حربا على الطماطم المغربية، بالتحديد، زاعما أنها تسبب حالات تسمم ومشكلات في الجهاز الهضمي. وما زالت هناك مفاوضات بين الرباط وباريس ومدريد بسبب التسعيرة الجديدة التي فرضتها دول المجموعة الأوروبية على دخول الطماطم المغربية.

كنا نقارن أسعار الطماطم في بلادنا حين قالت لي صديقة من فاس إن الأسعار ترتفع وتتضاعف، عندهم، قبل حلول شهر رمضان حتى تصل إلى أرقام غير معهودة. ولعل السبب هو أن المغاربة يفطرون في الشهر الكريم على طبق الحريرة، الشوربة التي تعتمد في إعدادها على الماطيشة. وفهمت أن الماطيشة هي الطماطم باللهجة المغربية.

وقلت لها إن اسمها في العراق والخليج طماطة، وهي بلهجة الشوام بندورة، والمصريون يسمونها قوطة. أي قاموس قومي ثري يمكن جمعه لو توسعنا في تسميات بقية الفواكه والخضار والبقول والأعشاب والتوابل بلهجات العرب؟

حين زرت أوروبا للمرة الأولى ودخلت إلى السوبر ماركت، لم أصدق أن الطماطم يمكن أن تباع بالمفرد، في عبوات صغيرة مغلفة بالنايلون. إنها مصفوفة في الصناديق بنظام صارم وليست مكومة في السلال التي تمتد إليها أيدي ربات البيوت نبشا وتقليبا وانتقاء. ماذا تنتقي؟ إن كل ثمرة تشبه تماما شقيقتها في اللون والحجم والاستدارة والصلابة واللمعة. كأنها خارجة من مختبر معقم للاستنساخ البيولوجي لا من شجيرات مزروعة في حقل تحت الشمس. ورغم أنها بدت جميلة وجذابة فقد كانت تفتقد كثيرا من الطعم والرائحة. بعكس الطماطم في سوق الخضرة عندنا، حيث لكل ثمرة شخصيتها المتفردة وحقها في أن تكون كبيرة أو صغيرة، حمراء أو خضراء أو بين بين، مستديرة أو مفلطحة، مشدودة أو مكرمشة الجلد، طازجة متماسكة أو مهروسة مفعوصة ومجعوصة.

يبدو أن موضة الطماطم «المنضبطة» المزروعة في البيوت الزجاجية والمثقلة بالأسمدة الكيماوية في طريقها إلى التراجع لأن المستهلك العصري يقرأ ما تنشره الصحف وما تدعو إليه حركات الحفاظ على البيئة، وهو يخشى الأمراض الخبيثة ويرغب في العودة إلى المنتجات الطبيعية. وهكذا بدأنا نرى في المتاجر الكبرى خضارا غير منتظمة، متفاوتة الأحجام، ذات فجوات وزوائد وثآليل وتضاريس، وقد ترك الجفاف على بعضها شامات ووحمات وبقعا قاتمة. ومع هذا، فإنها تباع أغلى من نظيراتها الحسناوات لأن الزبون المهموم بصحته يفضلها عليها. وقد وصف محرر صحيفة «البارزيان» هذه الظاهرة بأنها «انتقام الخضار البشعة».

في بغداد، في الأيام الخوالي، أصدرت الحكومة قرارا بتسعير الطماطم استبشرنا به خيرا. إنه «الخطوة الثورية القاصمة» التي ستضع حدا لجشع «المتاجرين بقوت الشعب». وقد تحمس أحد الزملاء وامتشق قلمه وكتب مقالا بعنوان: «انكسر خشم الطماطة». لكن الساحرة الحمراء التي ما زال الخبراء يترددون في نسبتها إلى الفواكه أم إلى الخضار، اختفت من الدكاكين بين عشية وضحاها وصارت تباع تحت العباءة، في السوق السوداء، مثل الدولارات والعملة الصعبة، والرجل الرجل هو ذاك الذي يدخل على زوجته حاملا كيسا من الطماطم يصلح لطبخة تشريب البامية. وعلى ذكر البامية، فإن المغاربة يسمونها ملوخية. وعندما جاء المزارعون المصريون للعمل في العراق بالغوا في استخدام الأسمدة فرأينا في الأسواق أصابع بامية كبيرة بحجم الجزر والخيار، سماها الظرفاء «صواريخ أرض بطن».

وفي مثل تلك الظروف فإن النكتة هي خير وسيلة للتنفيس عن القلوب. وبما أن انتقاد التسعيرة الحكومية مغامرة غير مأمونة، فقد استعاد العراقيون حكاية من أيام الحكم الملكي، حين بثت الإذاعة برقية تأييد أرسلها أحد شيوخ العشائر إلى الحكومة، جاء فيها: «تسعيركم الشلغم أثلج صدورنا. سيروا على بركة الله». وكان الشلغم يسلق بالماء الفائر، مع قليل من دبس التمر، ثم يباع مملحا على عربات في زوايا الشوارع، ويقبل عليه الطلبة والجنود والمارة كأكلة شتائية لذيذة. والشلغم لمن لا يعرف هو اللفت بالعربي الفصيح. هل يسمى لفتا باللهجة المغربية؟

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث