المأزق الليبي المتوقع

المأزق الليبي المتوقع
المصدر: آمال موسى

لا أعتقد أن ما حصل في ليبيا خلال هذا الأسبوع كان من قبيل المفاجأة، أو حدثا معزولا عن طبيعة الوضع في ليبيا بعد الثورة. فالأغلبية من نخب ودول كانت تتوقع السيناريوهات الأكثر سوءا، وما زالت.

وقبل محاولة تحديد أهم أسباب تأزم الوضع الليبي والفشل في تأمين مرحلة انتقال ديمقراطي وبناء الدّولة، من المهم الانطلاق من نقطة مفصلية تتمثل في أن المجتمع الدولي لم يتحمل مسؤوليته بخصوص الملف الليبي، حيث تُركت الأمور ملكا للداخل الذي سيطر عليه المتشدّدون دينيا وسياسيا، ولم تحظَ الأطراف المعتدلة القادرة على تحقيق المصالحة بالدعم الدولي اللازم الذي وجدته أثناء الثورة حين كان السّيد مصطفى عبد الجليل يُستقبل من طرف ساركوزي والثورة ضد القذافي في ذروتها. بمعنى آخر أن الشخصيات ذات التجربة والخيارات المعتدلة والتوفيقية تُركت بعد سقوط القذافي في حال سبيلها، وكأنها كانت تُؤدي مهمة محددة إلى حين.

ولنعترف صراحة بأن المجتمع الدولي ربما بحكم البعد الجغرافي للأطراف الفاعلة فيه – أي المجتمع الدولي – لم يعط لقضية انتشار السلاح الانتباه والاهتمام اللازمين، رغم أن مصادر عدة تتحدث عن وجود عشرين مليون قطعة سلاح منتشرة في ليبيا. وبناء على هذا الانتشار الفوضوي والعشوائي للسلاح، أصبحت البيئة الليبية خصبة ومنتجة لظاهرة الميليشيات الغريبة عن بلدان المغرب العربي، وهي ميليشيات يتزايد عددها باستمرار تحت مسميات تُحيل إلى مرجعياتها الواضحة، إضافة إلى ارتفاع حجم المنتمين إليها إلى ما يقارب 250 ألف مسلح، دون أن ننسى أن بعض هذه الميليشيات تملك قذائف صاروخية وغيرها.

لقد فعلها القذافي ثم قُتل مجسدا بذلك مقولة «عليّ وعلى أعدائي». نشر السلاح الذي كان يعلم أنه وحده، إذا ظل حيّا وفي الحكم، يستطيع إرجاعه إلى الثكنات.

إذن قضية انتشار السلاح في ليبيا هي موطن الداء ومربط الفرس والنقطة المفصلية التي حالت دون تحقيق الأمن وجعلت الليبيين الذين كانوا أكثر الشعوب المغاربية عزوفا عن الهجرة يختار الآلاف منهم ترك ليبيا المضطربة وغير الآمنة.

وفي الحقيقة، لا يعود استمرار أزمة انتشار السلاح في أياد منحرفة سلوكيا وآيديولوجيا فقط إلى ضعف الدولة المركزية، بل العكس هو الصحيح، بمعنى أن انتشار السلاح هو الذي أضعف الدولة ومؤسساتها وجعلها واقعة تحت التهديد. بل إن مصلحة الجماعات الدينية المتشددة والتكفيرية تقتضي استمرار الفوضى واختلاط الأوراق وإغراق البلاد في فوضى، باعتبار أن استتباب الأمن وتقوية الدولة يعنيان عمليا تطويق هذه الجماعات وتحديدها وتقليم مخالبها.

ففي ظل الفوضى وعدم الأمن وضعف الدولة ومؤسساتها، استطاع المتشددون بمختلف انتماءاتهم الآيديولوجية وولائهم التنظيمي، الهيمنة على البرلمان الليبي وتمرير قانون العزل السياسي في مايو (أيار) 2013، وذلك لأن هذا القانون يعني بكل بساطة إقصاء أعداء الجماعات الإسلامية المتشددة.

لذلك، فإن التصويت لفائدة قانون العزل السياسي كان رسالة قوية عكست نجاح التكفيريين في اختطاف ليبيا وتأمين المناخ السياسي الملائم لأجندتهم ومشاريعهم الانغلاقية والهدامة.

وحاليا تبدو ليبيا أمام ثلاثة سيناريوهات؛ أولهما تمكن ما يسمى الجيش الوطني الليبي الذي اقتحم مبنى المؤتمر الوطني واعتقل رئيسه وأعلن «نية تطهير البلاد من الإخوان المسلمين في ليبيا» من إعادة ترتيب البيت السياسي الليبي، وهو أمر يستوجب تفادي قدر الإمكان سيناريو الحرب الأهلية من جهة، ودعما داخليا ودوليا وتوجيه رسائل مطمئنة من طرف قادة التحرك الأخير من جهة ثانية.

أما السيناريوهان الثاني والثالث، فإنهما يضعان ليبيا أمام مثالين لا ثالث لهما؛ المثال الأفغاني أو المثال الصومالي.

نعتقد أن جيران ليبيا جغرافيًا وتاريخيًا وأيضًا دول التحالف العربي ضد الجماعات المتشدّدة، ناهيك عن الأطراف الليبية المعتدلة التي اضطرت إلى مغادرة بلادها.. كلها معنية بتدارك الوضع في ليبيا، ومحاولة العمل على تصحيح مسار الانتقال الديمقراطي وفق قطع دابر السلاح والقضاء على تنظيمات الميليشيات واستدراج قرابة 250 ألف مسلح إلى ثقافة المدنية ومؤسساتها.

إن ضغط جميع هذه الأطراف المذكورة وغيرها في اتجاه المصالحة الوطنية وتمدين ليبيا قدر المستطاع وحدهما قد يُجنبان ليبيا ويلات الحرب الأهلية التي لن تؤذي ليبيا فقط، بل ستتطاير شظايا نيرانها إلى البلدان المغاربية.

الواضح جدا والمؤسف جدا أيضا أن ليبيا أصبحت اليوم أكثر من أي وقت مضى شأنا دوليا بكل ما يعنيه ذلك من سلبيات قبل الإيجابيات، حيث فوّت الليبيون فرصة الاشتغال مبكرا وبإرادة قوية على مسألة المصالحة الوطنية التي كانت الشرط الأساسي لمسار ديمقراطي صحيح.

إن الدّرس التاريخي الذي ما فتئ يتكرر هو أن الشعوب لا حل لها سوى المصالحة وتجنب الإقصاء. ولقد رأينا كيف أن الشعب الجزائري بعد أن اكتوى بالحرب الأهلية وبموت الآلاف اضطر إلى المصالحة الوطنية لأنه بكل بساطة لا مفر من ذلك.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث