“أبو الهول” وبوتين

“أبو الهول” وبوتين

حسان حيدر

بنى الصينيون نسخة طبق الاصل من تمثال «أبو الهول» الفرعوني المصري، في احدى مناطق الريف الخضراء، فبات نقطة جذب سياحي في إطار منتزه يجري بناؤه على مساحة كيلومترين مربعين.

لكن مهما كانت حرفة المقلدين الصينيين في نقل التفاصيل البالغة الدقة للتمثال عالية، فإن الذين زاروه اكتشفوا بسرعة انه يبدو غريباً وسط هذه المنطقة المشجرة، فلا يعبق برائحة الصحراء المصرية ورمالها الذهبية، ولا يتبرد بنسيم النيل، ولا يوحي بعظمة بُناته، ولا تشاهد من حوله الاهرامات الشامخة، ولا يشي بحضارة امتدت آلاف السنين واسست امبراطوريات مترامية، ولا تنسج من حوله الاساطير عن اللعنة الابدية والملكات الساحرات والكهنة والكتبة والفلكيين ومخططي السياسة وقادة الجيوش. انه تاريخ فريد لا يمكن نسخه ولا نقله ولا تقليده ولا تزويره.

لكن الصينيين ليسوا وحدهم في الميدان، فهناك تزوير آخر يجري على قدم وساق، هذه المرة من جانب روسيا التي يحاول رئيسها فلاديمير بوتين هو ايضاً بناء «نسخة طبق الاصل» عن «الاتحاد السوفياتي» الزائل، حتى لو جاءت مسخاً، ويعاود استخدام الاساليب القديمة نفسها لتوسيع دائرة نفوذه بحجة «الدفاع عن الشعوب» و «حماية الاقليات المهددة». وحتى التعابير «السوفياتية» تعود الى الواجهة في بيانات الكرملين الذي استخدم كلمة «هدام» لوصف البيان الصادر عن اجتماع «أصدقاء سورية» الاخير في لندن.

ففي زمن الحرب الباردة كان الروس الذين يقودون «المعسكر الاشتراكي» يخوضون أكثر من مواجهة مفتوحة مع الغرب في الشرق الاوسط واوروبا وآسيا واميركا اللاتينية، مواجهات دفعت ثمنها الشعوب نفسها التي ادعوا الدفاع عنها، وأورثوها انظمة عسكرية ديكتاتورية دعموها بالسلاح والمساعدات والخبرة في تطويع المعترضين وبناء الزنازن.

واليوم هناك حربان تخوضهما موسكو بالوكالة في سورية، حيث القتل على أشده بأسلحة روسية، ومباشرة في اوكرانيا حيث الاضطراب يهدد اوروبا كلها، ويتوقع ان تشعل جبهة اخرى قريبا في مولدافيا، حيث تعيش اقلية ناطقة بالروسية، في خرق واضح للتعهدات التي قطعتها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، باحترام سيادة ووحدة اراضي الدول المجاورة لها، وحرية خياراتها السياسية.

وكما في العهد السوفياتي، يحاول بوتين فك عزلته الدولية باللجوء الى الصين التي يزورها غدا لتوقيع سلسلة اتفاقات تشمل صفقة غاز ضخمة، سعيا للتخفيف من تأثير العقوبات الغربية على اقتصاده، لا سيما بعد تهديده بعقوبات ستجعل روسيا «تنزف» إذا حاول عرقلة الانتخابات الاوكرانية ف

ي الاسبوع المقبل، خصوصا ان الاقتصاد الروسي يعاني من نقاط ضعف كثيرة.

لكن الورقة التي يبدو انها تخدم مواقف بوتين كثيرا، هي تلك التي لا يمتلكها، والمتمثلة في الاداء الاميركي المتردد ازاء قضايا العالم، اذ يعتبر المحللون ان ادارة باراك اوباما نقلت السياسة الخارجية للولايات المتحدة من حال قصوى، اي التدخلات العسكرية والحروب، الى حال قصوى اخرى هي التهميش والانسحاب واللامبالاة. وهذا ما يشجع الرئيس الروسي على المضي قدما في سياسة التحدي الهادفة الى استعادة «الهيبة المفقودة» لعقود النصف الثاني من القرن العشرين، عندما كانت اليد السوفياتية متغلغلة في العالم كله. لكنه رهان قد لا يعمر طويلا لان نسخة بوتين المزورة، مثل سابقتها، لن تصمد طويلا امام اي اختبار جدي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث