الحفر في التاريخ

الحفر في التاريخ
المصدر: سمير عطا الله

لسنا هنا منذ أمس، مع أن الكون لخالقه ليس سوى لمحة. والدنيا عصور وأزمنة ليس كوكبنا فيها إلا مميزا بمخلوقه. أعطي القدرة على أن يدوِّن لنفسه امتداده التاريخي والجغرافي كما هديه الروحي. لذلك، كان الفارق الجوهري بين التاريخ والتراث. الأول، تدوين الأزمان، والثاني، حفظ الإيمان.

لا يلغي أحدهما الآخر. بل يقدم التاريخ للثاني لكي يُدرك المخلوق الفارق بين ما كان عليه من قبل وما صار إليه. معظم التاريخ البشري قام في منطقة تسمّى بلاد العرب، وهو الاسم الذي أعطاه الإغريق لأهل البادية، وصار يشمل الآن بعض حوض المتوسط وبعض أفريقيا، إضافة إلى الأساس الآسيوي.

لكن كتَّاب التاريخ وبحّاثته وعلماء الآثار توافقوا، أو تواطأوا، على هفوة غير متعمدة. ففي كل ما وضع من دراسات وما تم من اكتشافات حصر التاريخ القديم ما بين سومر في العراق ووادي النيل في أرض الفراعنة. وظلت الجزيرة العربية كأنها موجودة في منطقة أخرى.

هذا ما حاول الأمير سلطان بن سلمان أن يشرحه لسامعيه في أكسفورد. أي أن هيئة السياحة والآثار تريد أن تعيد الجزيرة إلى خريطتها الحضارية منذ العصر الحجري إلى زمن التنزيل. وبذلك، تكمل السرد الأثري التاريخي لهذا الإطار الفريد في كوكب الأرض.

تحدث رئيس الهيئة العليا للسياحة عن الحلم بعودة «الجزيرة العربية الخضراء». وقد يبدو ذلك بحثا عن عنوان جميل أو لافت لمحاضرة عالمية جافة. لكنه أعادنا إلى شبابنا يوم كنّا غارقين – على الأقل في لبنان – في قراءة «مختصر تاريخ العالم» لـ«هـ. ج. ويلز»، صاحب تحفة «عالم جديد شجاع»؛ فهو أول من ذكَّرنا بأن الجزيرة كانت خضراء قبل أن تغلب الصحراء على جزء من سوريا وأجزاء من السعودية وبعض الخليج. تحيط بالمملكة سواحل يزيد طولها على ألف كيلومتر، ما بين الخليج العربي والبحر الأحمر، كما يقول المؤرخ صلاح أبو السعود، وطالما حملت البحار في الاتجاهين التبادل ومعاني وأسباب التقدم والنمو.

مهمتنا، قال الأمير سلطان بن سلمان في أكسفورد، ليست فقط البحث عن دلائل التاريخ وحفرياته وآثاره، بل الحفاظ عليها، كدولة وشعب ومؤسسات. تُصنَّف إيطاليا على أنها المجمَّع الأكبر للآثار في العالم، تليها فرنسا وإسبانيا. لا يطمح الأمير سلطان بن سلمان إلى أكثر من تظهير موقع السعودية في المثلث الأثري المتوزع ما بين مصر والعراق. هذا مشروع طويل المدى واسع الأمداد، لكنه حلقة لا بد من استطلاعها تماما؛ أولا من أجل المملكة نفسها، وثانيا من أجل الوحدة التاريخية التي أحاطت بها، داخل الجزيرة وفي جوارها.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث