سورية وموت التعايش

سورية وموت التعايش

جهاد الخازن

في عاصمة سورية التعايش أصبح ذكرى. في عاصمة سورية السكان يتذكرون أيام التعايش الطائفي.

ما سبق عنوانان، الأول في صدر العدد الإلكتروني من جريدة «لوس أنجليس تايمز» في نهاية الأسبوع، والعنوان الثاني للخبر نفسه في قسم الأخبار العالمية.

الخبر مصدره دمشق وكتبه باتريك ماكدونيل، مراسل الجريدة، وهو يقول إن مسيرات يوم الجمعة العظيمة، وهي جزء من عيد الفصح، اقتصرت على مناطق الكنائس وتحت تفتيش دقيق من جنود وميليشيات، بعد أن كانت تضم عشرات ألوف الناس في سنوات ما قبل الثورة.

السوريون في تحقيق الجريدة الأميركية قالوا إنهم لم يفكروا يوماً في الطائفية، إلا أن الكل أصبح يعيش في خوف، ولا منطقة سالمة أو آمنة، والأسبوع الماضي شهد سقوط قذائف في منطقة حي توما من دمشق، وقتل طالب صغير في العاشرة من عمره.

بعض السكان قال إن النظام شجّع على وجود «القاعدة» والمتطرفين في سورية ليزعم أنه يحمي الأقليات من الإرهاب. وقال واحد إنه لم يسأل في حياته عن دين الجيران والأصدقاء والآن الكل يعيش في خوف.

هل بقي شيء جميل في سورية لم تشوهه الحرب؟

في 20/8/2009 كان لي في هذه الزاوية مقال عن سورية بدأ بهذه الكلمات: كنا صغاراً في المدرسة لا نعرف مَنْ هو المسلم ومَنْ هو المسيحي، إن لم يكن اسم الطالب محمد أو حنا، والآن لا يكفي أن نعرف المسلم من المسيحي، بل يجب أن نعرف السنّي من الشيعي.

المقال تبع برنامج «صلاة الأحد» الذي بثه راديو بي بي سي في الرابع من ذلك الشهر وكان عن التعايش بين المسلمين والمسيحيين في سورية. مقدِّم البرنامج مارتن بالمر، وهو لاهوتي بريطاني، تنقل بين حلب ودمشق، وبدا مذهولاً بروعة التاريخ، وبالعلاقة الأخوية والود بين المسلمين والمسيحيين في سورية فقد رأى نساء محجبات في الكنائس خلال زفاف صديقاتهن المسيحيات.

عدت إلى الموضوع في 4/2/2013 بعد مجزرة في حلب حيث لي أصدقاء لا أعدِل بهم أحداً في الدنيا، وبينهم تلك الشابة العبقرية التي تُعِد الآن لدكتوراه في الفيزياء النووية في كاليفورنيا.

التحقيق الأميركي يتحدث عن المسيحيين في سورية وكأنهم صلّوا «صلاة الخوف» في عيد الفصح، فمن التعايش إلى حرق كنائس وخطف راهبات وفرض جزية.

على سبيل التذكير، في القرآن الكريم: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأن منهم قسّيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزِل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. (سورة المائدة، الآيتان 82 و83).

لا أصدّق ولا أريد أن أصدق أن سورية تغيرت، فالتعايش شيء محفور في النفوس والقلوب، والإرهاب لا يمكن أن يغيره.

أعرف سورية قبل أكثر الناس، بمن فيهم السوريون، وأذكر يوماً وأنا وأصدقاء من الطلاب المراهقين لم نجد فندقاً يقبلنا مع وجود معرض دمشق الدولي فذهبنا إلى المسجد الأموي في الثالثة أو الرابعة صباحاً، ولم يسألنا الحارس هل نحن مسلمون أو مسيحيون، وإنما سأل: قدّيش الساعة؟ وعندما رددنا بالعربية أدخلنا لننام. اليوم أقرأ أخبار سورية وأتمنى أحياناً أن أنام فلا أصحو.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث