من ذاك البلد

من ذاك البلد

سمير عطا الله

في أي مقياس دولي من مقاييس السوء تأتي كولومبيا في المراتب الأولى. في زراعة وتهريب المخدرات. في العصابات. في الجريمة. في الفقر. وتقريبا في كل شيء آخر. من بلدة ساحلية صغيرة في هذه المساحات من التخلُّف، خرج ذات يوم الرجل الذي صار أكثر الأدباء مبيعا في تاريخ اللغة الإسبانية. من مدرسة الصحافة الفقيرة خرج في القرن الماضي صاحبا أشهر اسمين في الصحافة والأدب. الساحران غابرييل غارسيا ماركيز، والبولوندي ريزارد كابوشنسكي. والثاني جاء من بلد شيوعي صغير، وكان يكتب بلغة يجهلها العالم، وكان موظفا في وكالة أنباء يعتقد الجميع أنها غطاء لمخابرات أوروبا الشرقية.

قفزا إلى العالمية من فوق حواجز اللغة والحجم وكل المقاييس الأخرى. تحول الأول إلى أستاذ في فن الرواية الحديثة. والثاني، إلى أستاذ في فنون الصحافة الكبرى. أعتقد أنه لولا ماركيز لبقي الأدب اللاتيني أقل رواجا. في طبعتها الأولى في بيونس أيرس كان يتوقع أن تُباع ثمانية آلاف نسخة من «مائة عام من العزلة» في ثمانية أشهر. بيعت ثمانية آلاف نسخة في ستة أيام. المجموع حتى الآن 30 مليون نسخة في 30 لغة. نجيب محفوظ كان يقول إنه لم يعرف الاستقلال المادي قبل أن يترجم. أمين معلوف بلغ العالمية لأنه كتب بالفرنسية.

البولندي جوزيف كونراد لأنه كتب بالإنجليزية. القارئ جزء من نجاح الكاتب. حركة الترجمة جزء عظيم من حركة الإنتاج. لولاها لظل الأدب الروسي الكبير قاريا لا عالميا. ماركيز كان يقول إنه كلما قرأ عملا جميلا تمنى أن يترجمه. وكان يحب لو ترجم جميع أعمال اندريه مالرو، وزير الثقافة عند ديغول. كم يلعب الأدباء والمفكرون أدوارا في حياتنا. نحن نعرف أن الرئيس الأميركي حقق خرقا تاريخيا عندما ذهب إلى الصين للقاء ماو تسي تونغ. نحن لا نعرف أن الذي أقنعه بذلك كان أندريه مالرو. حتى قبل فوزه بالرئاسة كان يقول له: غدا، إذا وصلت البيت الأبيض، قم برحلتك الأولى إلى بكين. لا يجوز أن يبقى 300 مليون من أغنى أغنياء العالم لا يعرفون شيئا عن مليار من أغنى أغنيائه.

في الأسبوع الأول من رئاسته أصدر نيكسون مذكرة إلى مساعديه: أعدّوا للرحلة إلى الصين فإنها سوف تغير وجه العالم بعد 25 عاما.

كان العالم يعتقد أن هنري كيسنجر هو الذي نصح بالرحلة إلى الصين. خطأ. هذه أفكار تحتاج إلى حالمين، وليس إلى منظِّرين. ماركيز كان يكره المنظِّرين ولا يحب النقاد. لم يكن يريد أن يكون هناك وسيط بين عمله والقارئ. وكان يقول إن الناقد يريدك أن تكون الثوب الذي يخيطه لك، وليس ما أنت، وإن حقائق الحياة تحتاج إلى من يعبِّر عنها وليس من ينظر لها.

بعض الأدباء أكبر من بلدانهم. وحتى أكبر من لغاتهم، كما هو حال كابوشنسكي. وبعضهم يتحول إلى أساتذة في سائر اللغات الأخرى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث