فضيحة إمبريالية مخفية

فضيحة إمبريالية مخفية
المصدر: خالد القشطيني

رأى الأميركان في أوائل السبعينات أنهم في حاجة لقاعدة عسكرية تواجه الخليج والجزيرة العربية يستطيعون منها الهيمنة على عموم الشرق الأوسط. الأميركان لا يعرفون الكثير خارج حدود بلادهم، فاستشاروا أولاد عمهم الإنجليز. قالوا لهم كانت لكم إمبراطورية لا تغيب الشمس عنها. دلّونا على مكان مناسب تحت الشمس. أشاروا عليهم بجزيرة ما زالت تحت حكمهم، دييغو غارسيا. فتحوا لهم الخريطة ودلوهم على مكانها في المحيط الهندي. كم تريدون ثمنا لها؟ قالوا، لا. خذوها هدية منّا. هل فيها أحد من الناس؟ لا شيء. مجرد ألفي شخص. اطردوهم منها وخذوا هذه الجزيرة الجميلة فارغة.

ومن دون استشارة هؤلاء الناس جاءوا بسفينة صغيرة وألقوا بهم فيها. لم يسمحوا لهم بحمل أي شيء من ممتلكاتهم سوى ثيابهم وكنادرهم. ألقوا بهم في جزر أخرى، سيشل وموريشيوس وسواهما، عملا بفكرة «فرّق تسد». لم يدفعوا لهم أي شيء عن وطنهم أو أراضيهم أو معداتهم. لم يضعوا لهم أي ترتيبات لمعيشتهم ولا لتعويضهم عن هذا الانقلاب في حياتهم. عاشوا حتى الآن على الشحاذة والتسكع، نصارى كاثوليك بين مسلمين.

وأقيمت قاعدة دييغو غارسيا. وكان من أول مهماتها إرسال القاصفات والمقاتلات والبوارج الحربية لغزو العراق. ثم استعملوها في تعذيب المعتقلين. سألوا جيمس سلزنجر، وزير الدفاع الأميركي، عن إقامة هذه القاعدة، فقال كانت أحسن استثمار لأموال الدولة. لم يقل شيئا عن الألفي مواطن الذين تحولوا من مزارعين وصيادي سمك في وطنهم إلى شحاذين ومشردين في الغربة. كان المنتظر أن يبقيهم الأميركان ويستخدموهم في أشغال القاعدة، كناسين وطباخين وزبالين.. إلخ. يكسبون منهم قرشين ثلاثة لتحسين معيشتهم. لم يفعلوا ذلك. أخرجوهم من ديارهم وجاءوا بشغالين من دول أخرى. لماذا؟ لأن المواطنين الأصليين قد يطالبون بتقرير المصير، وسيادتهم على بلادهم وحقوقهم فيها. قد يقومون بثورة وطنية. الأجانب «أسهل وأطيع».

نسيهم العالم حتى ظهر بينهم أخيرا مَن طالب بحقوق شعبه. أقاموا دعوى على الحكومة البريطانية التي كانت مسؤولة عنهم. نظرت فيها المحكمة العليا في لندن وقررت أن ما فعلته الحكومة كان عملا غير مشروع. أجاركم الله. ولكن ما العمل؟ يطالب الغارسيون بعودتهم لوطنهم وتعويضهم عما حصل لهم. ولكن هات من يسمع. يقول لهم الأميركان: الإنجليز كانوا مستعمريكم فطالبوهم. ويقول لهم الإنجليز إن الأميركان هم الذين أخرجوكم واستولوا على أرضكم فراجعوهم. وبين حانة ومانة ضاعت لحانا. والطائرات الأميركية تنطلق كل يوم وتحدق أنظارها في كل من يتحرك في الشرق الأوسط.

موضوع هؤلاء التعساء من أسوأ عمليات الاستعمار الغربي. فهذه الدولة، أغنى دولة في العالم، تنفق بناتها ثلاثمائة دولار في اليوم على تقليم أظفارهن، تعجز عن تعويض هذه العصبة الصغيرة من المواطنين الذين شردوهم، وإيجاد باب رزق لهم يتعيشون منه بشرف وكرامة.

ولا يكتفون بالجريمة، فيضيفون لها مكذبة بقولهم إنهم يحتاجون إلى هذه القاعدة لمحاربة الإرهاب. وقد عزموا على إقامتها قبل أن تظهر مشكلة الإرهاب، ولكن.. إي نعم، ولكن، بعد أن تبينت مخاطر انقطاع مصادر النفط في السبعينات.

*الشرق الأوسط
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث