رئاسة لبنان

رئاسة لبنان

سمير عطا الله

صيف 1987 تناولت الغداء مع فيليب تقلا، أشهر وزير خارجية في لبنان. كان موضوع الرئاسة قد بدأ يملأ الصحف قبل عام من موعدها، فقلت للسياسي العريق: «أليس الأمر مبكرا؟!». قال: «جدا. لأن لا رئاسة بعد عام». وهذا ما حدث فعلا.

موعد الانتخابات الرئاسية هو مايو (أيار) المقبل. ومن حيث الظاهر، ناخبو الرئيس هم النواب. أما من حيث الواقع التاريخي، فهم مجموعة من القوى الإقليمية والدولية، لأن لبنان حلبة دائمة وليس وطنا مستقرا.

كل ما يملكه اللبنانيون عادة هو التمنيات. الحزبيون، على اختلافهم، يتمنون مرشحهم، والمستقلون يتمنون منقذهم. البعض يريد «رئيسا قويا» مع أن الرئاسة جردت من كل قواها، والأكثرية الصامتة تريد رئيسا يبحر بالدولة والوطن بحنكة وروية ومهارة في هذا العباب الهائل.

لبنان منقسم عموديا بين 8 و14 آذار. وهناك فريق ثالث لا رقم له، لكنه يشكل اليوم العدد الأكبر، هو الفريق الذي يبحث عن بقاء لبنان وخلاصه، بدل الذوبان في النار السورية والغرق في رمادها. ليس تنكرا للمأساة السورية، بل من أجل أن يظل لبنان قادرا على استقبال عائلاتها وأطفالها وعمالها. ما من بلد في العالم يشهد هذا المعدل من النازحين قياسا بالمواطنين.

يشكل النازحون قوة تجاذب واستقطاب إضافية في معمعة التوترات الطائفية والمذهبية المغلفة برقائق وطنية سريعة الذوبان. وفي حمأة هذا الغليان السني – الشيعي، الذي لم يعد له اسم آخر في العالم العربي، يحتاج لبنان أن يكون الرئيس المسيحي مقبولا من الجميع، ومطمئنا للجميع، وموضع ثقة كبرى في فهمه واستيعابه لمعاني التاريخ الإسلامي.

كان الرئيس اللبناني غالبا يتمتع بعمق الثقافة الإسلامية، مثل الشيخ بشارة الخوري، أو بعمق النزاهة حيال الإسلام، مثل فؤاد شهاب. لكنه اليوم في حاجة إلى مزيج من الاثنين، إلى صاحب سيرة أصيلة وتاريخ بين في عروبته، فهي في طبعه لا في حواضره، وسيرة لا تنتهي، لا فصل يبدأ.

الذين أدركوا هذا الواقع من الرؤساء حموا لبنان وأبقوه خارج التلاطم. حفظوا كرامته ولم يمسوا كرامة الآخرين. لم تكن قوة فؤاد شهاب في شعبيته الداخلية، بل في التوافق العربي والدولي على إنجاح تجربته. الآن، لبنان ليس في تجربة، بل في محنة تاريخية وبراكين. قد لا تكون الحكمة الكبرى كافية لإنقاذه، لكنها ترده عن الهوة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث