رحيل مؤرخ ومستعرب

رحيل مؤرخ ومستعرب

سمير عطا الله

كانت ابتسامة باتريك سيل، المطبوعة، تخفي مشاعره حيال الأحداث. وكان أسلوبه المهني يخبئ مواقفه الشخصية، ولكن الذي ظل واضحا في مسيرته الطويلة كمستعرب، أنه ظل، كما وصفه وليد جنبلاط، عروبيا.

عاش باتريك سيل طفولته في دمشق، حيث ذهب إلى المدرسة الفرنسية. وهناك نما لديه الاهتمام بالشأن السوري والقضايا العربية. وفي عام 1965 أصدر كتابه المرجعي «الصراع على سوريا». وكنت يومها في جدة لتغطية زيارة الرئيس جمال عبد الناصر عندما حدثنا عن الكتاب السفير أنس ياسين، وأعارني نسخة منه لأقرأها.

كانت تلك أول معرفتي بمستعرب ألمعي، تميز بالرقي والموضوعية ورفض أن يقحم نفسه في صراعات العرب. ومن أجل كرامته المهنية، تجنب الأسلوب الخطابي والتخويني. وانصرف أيضا إلى التأليف، فوضع كتابا آخر حول سوريا في مرحلة حافظ الأسد، وآخر عن رئيس وزراء لبنان الراحل رياض الصلح، ولم يلق الكثير من النجاح كتابه عن أبو نضال «مسدس للإيجار» الذي وصفه بأنه «الفلسطيني الذي اختص بقتل الفلسطينيين».

إلى جانب الكتابة في السياسة كان باتريك مأخوذا بالرسم والفنون. وفي مرحلة افتتح معرضا في «موتكومب ستريت» في نايتسبريدج بلندن، لكنه تركه ليقطن في باريس، هواه الآخر ولغته الثانية. وكنا نتصادف دائما في مكتبة «غالينياني» وهو أبدا في كامل أناقته ودائم ابتسامته الترحيبية. وبعكس أهل المهنة، عربا وأعاجم وهواجن، كان باتريك يمتدح دائما أعمال زملائه ويحجب خلف ابتسامته أي نقد أو إساءة.

عمل سيل في بداياته المهنية مراسلا لـ«الأوبزرفر» و«الإيكونومست» في بيروت عندما كان مدير المكتب كيم فيلبي. وأصدر عام 1971 كتابا عنه تذمرت منه أوساط لندن لأنه كان لينا حيال الجاسوس السوفياتي الشهير. أما هو فاعتبر أن الشرق الأوسط عبارة عن محطات لا بد له من أن يتوقف عندها كمؤرخ، وأن الخبرة الصحافية تؤدي في نهاية المطاف إلى مهنة التأريخ.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث