أدب … جوائز ومال

أدب … جوائز ومال

عبده وازن

هل أفسد المال الجوائز الأدبية العربية؟ معظم الكتّاب العرب يجيبون لا، ومن غير تردد، ولو أنهم على قناعة بأنّ المال لا بد أن يترك أثراً غير حميد في الأدب، لاسيما إذا غدت الجوائز هماً أو هاجساً ملحاحاً لدى الكتّاب. لكنّ جوائز بلا مال هي جوائز ناقصة وإن كانت كبيرة وذات بُعد «معنوي»، كما يُقال.

إنها جوائز للتاريخ، تُعلّق شهاداتها على الجدار لفترة ثم ينساها حتى صاحبها، لكنها تُضم إلى سيرة الفائز بها. المال يمنح الجائزة سحراً ورونقاً، يجعلها غاية بذاتها، طريقة للكسب المشروع، بخاصة إذا كانت قيمتها كبيرة أو «معقولة». الأدباء العرب بمعظمهم يشعرون أنهم بحاجة إلى مكافأة على جهدهم الذي يصرفون له نصف حياة وأكثر.

ما يجنونه من مبيع كتبهم لا يكاد يذكر، ما عدا الكتاب «الشعبيين» الذين تروج كتبهم لأسباب غير إبداعية في أحيان. قلّة هم الكتاب العرب الذين تمكنوا من أن يعيشوا من كتبهم وما يعود اليهم منها، على خلاف الكتّاب في الغرب، بعضهم وليس جميعهم بالطبع. وفي الغرب لا قيمة مادية كبيرة للجوائز الأدبية، ماخلا القليل منها، لكنّ الفوز بجائزة مثل «غونكور» الفرنسية أو «بوكر» البريطانية أو «بوليتزر» الأميركية أو «ثيرفانتيس» الإسبانية وسواها، يتيح للكاتب أن ينعم بأرقام عالية مبيعاً، ما يوفر له وللناشر دخلاً مهماً. وقد يكون محقّاً النقد الغربي الذي يتناول هذه الجوائز بوصفها صراعاً بين الناشرين ولجان التحكيم لا يخلو من «التآمر» الخفي. أما الجوائز العربية في هذا القبيل، فهي نادراً ما تساهم في ترويج الأدب الفائز، ويمكن استثناء جائزة «بوكر» العربية التي لها أثر سحري على القراء.

تتكاثر الجوائز العربية يوماً تلو يوم، وهذه بادرة لافتة ومهمة، وأقصد الجوائز ذات التوجه العربي وليس «الوطنية» أو «المحلية»، والجوائز ذات القيمة المادية العالية وليس الجوائز «المعنوية» التي بدأ أثرها ينحسر، ما عدا جائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأميركية في القاهرة، وهذه الجائزة التي تكافئ الفائز بألف دولار، تنصّ على ترجمة الرواية الفائزة ممهورة بـ «توقيع» الجامعة نفسها، وهي أميركية. ولا يمكن هنا تناسي جائزة الرواية العربية التي دأب على منحها المجلس الأعلى للثقافة في مصر، وقد أفقدها الروائي صنع الله إبراهيم هالتها عندما رفضها علانية في لحظة الاحتفال بفوزه بها، مع انه كان وافق عليها، وبدا موقفه الثوري مفتعلاً وذا بعد سياسي غوغائي.

لعل رفض الجوائز بعد الفوز بها ظاهرة شبه مألوفة عالمياً، وغالباً ما تكون موقفاً دونكيشوتياً يسعى الكاتب من ورائه إلى مزيد من الشهرة. وقد كان سارتر، رائد الوجودية الملحدة، سبّاقاً في رفضه جائزة نوبل بعد إعلان فوزه بها عام 1964، وذريعته عدم الانحياز إلى الغرب، هو الداعي آنذاك إلى التآخي السلمي بين الشرق (الغربي) والغرب سياسياً وثقافياً… ولكن لم تمض فترة حتى طالب، كما لو في لحظة ندم، أكاديمية نوبل بالقيمة المالية للجائزة، وهي مغرية حقاً، فرفضت إعطاءه إياها. أما أطرف من هجا الجوائز، فهو الكاتب الألماني الكبير توماس برنهارد، الذي حصد منها الكثير. وكم كان مفاجئاً كتابه «جوائزي الأدبية» الذي وضعه قبل تسعة أعوام من رحيله (1989)، وفيه تهكم على الجوائز وحفلاتها كما على مانحيها والفائزين بها، وعلى لجان التحكيم أيضاً. وسخر تمام السخرية من «أخلاقية» الجوائز وغاياتها…

أضحت الجوائز في الآونة الأخيرة تجذب الكتّاب العرب كما لم تجذبهم سابقاً، وأقصد هنا الجوائز «المثقلة» مالياً وهي لم تبق قليلة. وسنة تلو سنة تنضم دولة عقب دولة إلى لائحة هذه الجوائز، وكأنّ في الأمر مفخرة أو مأثرة تشبه المآثر التي كثيراً ما عرفها العرب قديماً. وبات واضحاً أن هذه الدول «المانحة» تتسابق على جذب الكتّاب إليها من دون أن تمارس عليهم وصاية أو تطالبهم بما يقابل الجوائز. وأياً يكن الهدف وراء هذا السخاء اللافت، فالجوائز التي تُمنح تمثل مناسبة ملائمة يفيد منها الكتّاب مادياً، هم الذين يعاني معظمهم أحوالاً غير يسيرة ويعيش بعضهم في محاذاة خط الفقر. وكم ساعدت هذه الجوائز روائيين وشعراء ومفكرين على اقتناء بيوت كانوا محرومين منها، أو على تأمين حياة أولادهم ودراستهم. هذه حقيقة يجب الاعتراف بها. ولعل نظرة سريعة على أسماء الفائزين حتى الآن بالجوائز هذه، تؤكد مدى ديموقراطيتها ومدى انفتاحها على الأدب الطليعي والفكر التقدمي واليساري، علاوة على اهتمامها بالثقافة المحافظة والأصيلة أو التراثية. كتّاب يساريون كثر باتت أسماؤهم مدرجة في لوائح الجوائز من دون حرج ولبس.

لكنّ اللافت أنّ الرواية تستأثر الآن بمعظم الجوائزعلى خلاف الشعر والقصة القصيرة والمسرح… جوائز عدة اقتصرت على حقل الرواية، وهي مهمة مادياً ومعنوياً وإعلامياً و «ترجماتياً». ويكفي تذكر الـ «بوكر» العربية والضجة التي تحدثها سنوياً. وقد حملت جوائز الرواية شعراء ونقاداً وقاصين على الكتابة السردية، وأصبح بعضهم روائيين هكذا من غير حسبان. أما الشعر، فلم تبق له إلا جوائز قليلة، فقيرة ومتفرقة لا تعرف الانتظام ولا الترويج.

أما الأسئلة التي لا بد من طرحها، فهي: هل تؤثّر هذه الجوائز، الرسمية وشبه الرسمية والخاضعة شئنا أم أبينا لمعايير أخلاقية عامة، في طبيعة الكتابة نفسها؟ هل تحدّ هذه الجوائز من حرية الكاتب وجرأته؟ هل تخفف من حماسته في كسر الممنوعات وتخطي «التابوات»؟ ربما ينبغي الانتظار قليلاً للإجابة على مثل هذه الأسئلة الشائكة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث