إلى السادة «غوغل»

إلى السادة «غوغل»

سمير عطا الله

ثمة مثل إنجليزي شهير يقول «ضاع في الترجمة» عندما يخفق مترجم في فهم واستيعاب ما ينقل. بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) وغزوة بن لادن إلى أبراج نيويورك بطائرات محمد عطا، كثرت النظريات، ومنها قول الأستاذ محمد حسنين هيكل إن الصرب وراء العملية لأن العرب لا يملكون من العلم لتنفيذها!

ومنها كتاب لعبقري فرنسي أن الجيش الأميركي وراء العملية. وبصرف النظر عن الأسباب والمخيلات والدوافع، كانت هناك عملية إنكار، على الرغم من تأكيدات بن لادن وأيمن الظواهري والناطق باسميهما، أبو غيث.

في الصحافة وفي الأدب وفي المسرح وفي السهرات اليومية، ثمة شيء يدعى الأدب الساخر. كأن تقول مثلا إن ثمة مصالحة وطنية عُقدت اليوم في لبنان. أو إن حماس هددت بالاستقالة إذا لم تصالحها السلطة فورا. أو إن آخر مصالحة بين الفريقين دامت أكثر من نصف ساعة.

هذا النوع من الأدب الساخر يعتمد على المغالاة لكي يفهم قارئه، مهما كان مسطحا، أنك تمزح. أنك تضحك. أنك تهذي. اخترت بعد 11 سبتمبر، وملحمة محمد عطا، ومشاهد الناس ترمي نفسها من الطابق الثمانين، أن أقول إن المتآمر ليس صرب الأستاذ هيكل، ولا جيش الكاتب الفرنسي، بل هما الرئيس جورج دبليو بوش ووزيره كولن باول. كنت أكتب إلى قراء هذه الزاوية، كما أكتب لهم كل يوم، من دون الحاجة إلى أن أشرح لهم أن هذا أدب ساخر ومسرح لا معقول.

لكن الزاوية وقعت يومها بين أيدي مترجمي السادة «غوغل». وضاعت السخرية في المقال، وبقي الغباء، وهو أنه يمكن أن يخطر لكاتب أن يتهم كولن باول، بدل بن لادن، كما – وهو الأفظع – يخطر لجريدة تصدر في لندن وتخضع للقوانين البريطانية في التشهير، أن تنشر مثل هذا الفكر المرضي. منذ ذلك الوقت، وهذا المقال مكرر على «غوغل» ومنقول عنها بالصينية والإيطالية والإسبانية.

أيها السادة «غوغل»، يكفي ما ألحقتم بنا من الأذى. إما أن تحذفوا هذه الترجمة الغبية وإما أن أضطر إلى اللجوء إلى أكثر ما أكره في حياتي: الاحتكام إلى القضاء. لا لكي أطالب بالعطل والضرر، بل لكي أثبت مدى الفظاعة التي يمكن أن يتسبب بها الغباء، ومدى اللامسؤولية التي ترتكبها جريمة النشر الأرعن، الذي ينقل الأشياء مثل الآلة الصمّاء.

لماذا تأخرت في هذا إلى الآن؟ اعتقادا مني أن رئيس تحرير ما، أو مترجما ما، عند السادة «غوغل» قد يقول، بعد كل هذه السنين، يا جماعة استحوا.. لقد أصبحتم أكبر مصدر معلومات في العالم وما زلتم تحافظون على الترجمات الغبيَّة والافتراءات المخبولة، وتعتمدون المترجمين الذين يفهمون معاني الحروف ويجهلون جهلا مريعا معاني الكلام.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث