براقش الثقافة

براقش الثقافة

خيري منصور

هناك أمثال تنقطع بمرور الزمن عن مناسبتها الأولى، ومنها ما جرى لبراقش التي جَنَت على نفسها وأحفاد أحفادها.. والمثقف العربي الذي كان ذات يوم يتمتع بمكانة وهيبة يحسد عليها حتى أمام السياسي، تحول الى براقش، وأصبح الساسة يقولون عنه ما قيل عن المعيدي الذي تسمع عنه خير من أن تراه!

وهناك عشرات بل مئات الوقائع منها ما عرفته عن كثب أو من مصادره عن مثقفين كانت دولهم تقيم لهم وزناً عن بعد، لكن ما أن اقتربوا منها أو اقتربت منهم حتى تغيَّر كل شيء، وقد روى لي صديق كان قريباً من الزعيم الراحل عبدالناصر حكايات من هذا الطراز وقال إن الزعيم كان يتهيب عن بعد من بعض الأسماء الفاعلة فكرياً وثقافياً، ثم اتضح له كل شيء فخاب ظنه، لكن الاستثناءات حظيت بتقديره حتى لو لم يكن يحبها مثل العقاد، وقد اتيح لي عندما كنت طالباً بجامعة القاهرة أن اشهد في ستاد القاهرة الدولي تكريم عبدالناصر لعدد من رموز الثقافة والفن بحضور «شوين لاي» الذي كان يزور مصر في تلك الأيام، وحينما نُودي على اسم العقاد تقدم بخطى واثقة رغم الشيخوخة والمرض، وقال للرئيس إنه يحمد الله أن الرئيس بادر الى تقديره، فبادله هذا التقدير، وكان العقاد قد سُجن قبل ثورة يوليو لأنه قال عبارة شهيرة دفاعاً عن دستور مصر لم يسبقه أحد اليها وقد لا يلحقه أحد.

وروى لي صديق عن رئيس عربي انه كان معجباً بفنان مسرحي منذ صباه وطلب أن يقابله ثم سأله عما يحتاج اليه وكان يتوقع منه تصورات عن بناء مسرح عظيم أو أي شيء كهذا، لكنه فوجئ بأن الفنان يطلب منه مساعدته للحصول على مواد بناء لاستكمال بيته، عندئذ انتهت الزيارة وقال الرئيس لمدير مكتبه أعطوه كل مواد البناء في البلاد، لكنني لا أريد أن أراه مرة أخرى، وهناك واقعة أشهد عليها وقد يأتي الأوان لتفصيلها عن لقاء زعيم عربي بعدد من كتَّاب بلاده، وحينما سألهم عما يحتاجون اليه، لم يتذكَّروا حرية التعبير ولم يقولوا شيئاً باستثناء عبارة قالها مدير تحرير جريدة وهي ان الرقابة قامت بتغريمه ثلاثمئة دينار.. عندئذ التفت الزعيم الى الجالسين بجواره وقال ضاحكاً بألم وسخرية:

هل تستطيعون التبرع معي لجمع هذا المبلغ، ثم استأذن ومضى!

لم أعد ألوم أي حاكم أو سياسي شاهد المعيدي عن قرب وتمنى لو أنه لم يره.. فالمثقف أو من يتشبَّه به في عالمنا العربي يسيل لعابه على أي شيء، ولا يعفّ عن أي مطلب كما أنه يقدم عيّنة نموذجية للوشاية بزملائه ولا يشعر السياسي بأنه يحلم بالمستحيل كي تصبح الحياة أنظف وأجدر بالدفاع عنها.

ولكل مجال في حياتنا براقشه التي جنت على نفسها وذريَّتها.. وهذا ما فعلته براقش الثقافة!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث