الكومبيوتر … ودم الشعر

الكومبيوتر … ودم الشعر

عبده وازن

عندما تقرأ نصاً مخطوطاً أو رسالة لصديق رحل، شاعر أو روائي أو كاتب، تشعر كأنك تقرأها للمرة الأولى، كأنك تكتشف خطوط هؤلاء وحبرهم وعصبهم في لحظة انكبابهم على الكتابة. بعد رحيل أصحابها تكتسب الأوراق المخطوطة ألفة غير مألوفة سابقاً، يشوبها مقدار من الأسى واللوعة. رحلوا هم وبقيت أوراقهم تخبر عن أسرار تركوها هنا.

كلما وقعت على هذه الأوراق، وبعضها لأنسي الحاج ومحمود درويش وخليل حاوي وسواهم، أتذكر زمن المخطوطات، الزمن الذهبي الذي نعمت فيه النصوص والقصائد بخطوط أصحابها وأمزجتهم عندما كانوا “يسوّدونها” على أوراقهم، بيضاء أو صفراء، خاوية أو مزيحة، بحبر مائي أو “ناشف”، أزرق أو أسود، أو بالقلم الرصاص الذي كان يؤثره بعضهم.

أقول أتذكر، مع أن كتّاباً ليسوا بقلة، ما زالوا يصرون على “تحبير” الصفحات بخطهم وبرعشات أصابعهم، غير مبالين بثورة الكومبيوتر التي ألغت الأقلام والأوراق وطقوسها الجميلة. كان أنسي الحاج يقول إن دمه عندما يكتب، يسيل على الورق عبر يده، وكان يصر على رفضه فكرة الكتابة على الكيبورد، مثله مثل كثرة من الشعراء. قد يكون شاعرنا على حق ولكن في كتابة الشعر، الشعر فقط، أما في شأن النصوص والمقالات، فربما لا.

ما زالت العلاقة بين الشعر والكومبيوتر مدعاة للحيرة: هل يقدر الشاعر أن يتخلى عن القلم والورقة، هو الذي يجهل متى تلتمع في رأسه، على حين غفلة، صورة أو جملة أو حتى مقطع من قصيدة؟ هل يملك الوقت ليلجأ إلى الكومبيوتر ويشعله ثم ليجلس أمامه ويهيئ الصفحة كي يبدأ الكتابة؟ شعراء كثر لا يضيرهم البتة أن يتّبعوا هذه الطريقة أو الخطة، وهم لا يتوانون عن “معاقرة ” الشعر والقصيدة إلكترونياً. وشعراء آخرون، أنا منهم، لم يتمكنوا من تقبل هذه الفكرة الرهيبة.

مرة زرت الشاعر البرتغالي نونو جوديس في بيته في لشبونة، ولما دخلنا مكتبته فوجئت بطاولة تحتل وسط الغرفة وعليها كومبيوتر شبه مضاء ، سألته عن هذا الكومبيوتر فقال لي هذا لكتابة الشعر والنصوص الإبداعية، وهو جاهز دوماً لأن أجلس أمامه وأكتب. وما أثار استغرابي أن هذا الشاعر ذو نزعة غنائية عالية تبلغ ذروتها في قصائد الحب لديه. حينذاك تأكدت أن الكومبيوتر ليس عدو الشعر حتى إذا كان الشعر رومنطيقياً. لكنني مثل شعراء أعرفهم، لم أستطع أن أعوّد نفسي على كتابة الشعر إلكترونياً، مع أنني بتّ أكتب كل المقالات والنصوص النثرية على الكومبيوتر، وما عدت قادراً على كتابتها بالقلم.

وأعترف بأنني صرت أكره كتابة المقالات على الورق وأكره التسويد و “الخرطشة”… أما في الشعر، فالأمر يختلف والمزاج يختلف والمراس والطقس… ما زال الشعر عصياً على التدجين، ما زال عصفورا بجناحين من ريح، ما زال غزالاً سارحاً في براري الحرية الطلقة. قد يقول بعضهم إن هذا كلام رومنطيقي ورجعي وبائت، وقد أوافقهم الرأي أو لا، لكنني مثل كثرة من الشعراء، ما برحت عاجزاً عن التخلي عن القلم والورقة في لحظة الكتابة الشعرية. وأعترف بأنني حاولت وفشلت، على خلاف كتابة المقالات.

إلا أنني غالباً ما أسأل نفسي إلى متى أستمر في هذه المعاندة. ولا جواب لدي. كل الأمور ممكنة مع هذه الآلة التي تفوح إغراء وغواية. وكم من شعراء كتبوا قصائد تمتدح الكومبيوتر مثلما كتب الشعراء من قبل عن القرطاس والقلم وعن سود الصحائف وعن الصفحات البيضاء.

ولعل الشعراء “الكاليغراميين” والتخطيطيين وجدوا في صفحات الشاشة الإلكترونية حيزاً لانهائياً لكتاباتهم البصرية وألعابهم الحروفية وتجاربهم المابعد- حداثية، ناهيك عن هواة ما يُسمى الشعر الإلكتروني، الذي بلغ هنا على شاشة الكومبيوتر أوج تجلياته. لكنّ معظم هذه التجارب تظل مقصورة على الشاشة ويصعب على شعرائها أن يُخرجوها إلى صفحات الكتب.

كلما وقعتُ مصادفة على صفحات كتبها شعراء أو كتّاب راحلون بخطوطهم، أشعر برهبة لا أجيد تفسيرها. أعاود قراءة تلك الصفحات وكلي رغبة في أن أكتشف أسراراً أتوهمها، أسراراً لم أنتبه إليها سابقاً. إنها خطوطهم تدل عليهم، وما أحوجنا إليها كي نلمس أشياء لهم تركوها كي تبقى حية، ولو كانت من ورق وحبر. ولكن ما يجب ألاّ يفوتنا هنا أن الحبر الذي يلتمع أمامنا، ليس سوى نور عيونهم أو دم قلوبهم. ألم يقل الشاعر إلياس أبو شبكة: اجرحِ القلب واسقِ شعرك منه…؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث