تسجيل يوميات القمع والفساد

تسجيل يوميات القمع والفساد

عمرو حمزاوي

تنوعت أنماط وأدوات القمع، واستهدفت دوما تصفية المعارضين والتضييق على أصوات التعبير الحر عن الرأي والترويج للخوف من نظم الحكم وأجهزتها الأمنية بين القطاعات الشعبية المتضررة من الفساد والفقر والتهميش والقضاء العنيف على الحركات الاحتجاجية التي قادها إما اليسار العمالي أو طلاب الجامعات أو السكان الأصليين (من ذوى الأصول الهندية) الذين تعرضوا لاضطهاد متصل.

وفي بعض بلدان أمريكا اللاتينية انقلب القمع إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة، كما في البرازيل أثناء حكم الفاشية العسكرية اليمينية في السبعينيات والتي قتلت وعذبت الآلاف من المنتمين للحركات اليسارية، وأثناء رئاسة الجنرال أوجستو بينوشيه لشيلى في السبعينيات والثمانينيات التي خلفت أيضا آلاف القتلى والسجناء بين صفوف المعارضة اليسارية، وفي جواتيمالا التي قتلت بها نظم حكم فاشية متعاقبة بين ستينيات وتسعينيات القرن العشرين ما يقرب من ٢٠٠٠٠٠من السكان الأصليين.

أثناء النصف الثاني من القرن العشرين، رصدت وسجلت أقلام مفكرين وكتاب وسياسيين معارضين يوميات القمع والفساد في بلدان أمريكا اللاتينية، وتناولت ذات اليوميات إبداعيا وفنيا بعض الأعمال الأدبية ولوحات الرسامين والأفلام الروائية. ولم يتح طبعا للمواطن في البرازيل أو شيلى أو جواتيمالا أو في بلدان أخرى التعرف على يوميات القمع والفساد المسجلة إلا بعد انهيار نظم الحكم السلطوية وبدء تحولات ديمقراطية تدريجية مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، وكانت إسبانيا التي تحولت في السبعينيات إلى الديمقراطية هي قبلة المفكرين والكتاب والسياسيين والأدباء والفنانين اللاتينيين الذين كانوا يبحثون عن نشر أعمالهم أو إنتاجها وعرضها أو مخاطبة الرأى العام العالمي وإخباره بحقائق الأوضاع في بلدانهم.

واليوم، تحفل الجامعات والمراكز الأكاديمية في أمريكا اللاتينية بالمشاريع البحثية التي توثق جماعيا ليوميات القمع والفساد التي رصدت وسجلت من قبل، وتوظف دوما في النقاش العام السياسى والإعلامى للتذكير الدائم للنخب وللشعوب بأن لغياب الديمقراطية وانتهاكات الحقوق والحريات تداعيات مأساوية. ولبعض بلدان أوروبا الشرقية والوسطى تجارب مماثلة في تسجيل يوميات القمع والفساد وعرضها على الرأى العام بعد انهيار نظم الحكم الشيوعية، أيضا في تسعينيات القرن العشرين.

واليوم، تحتاج الأصوات والمجموعات المدافعة عن الحقوق والحريات في مصر إلى أن تضطلع مجددا بمهمة رصد وتسجيل يوميات القمع والفساد، كما فعلت من قبل منذ خمسينيات القرن العشرين. نحتاج، بجانب بعض المواقع الإلكترونية كموقع ويكى ثورة، إلى أقلام من يتعرضون للقمع ويعانون من الفساد لتسجيل التفاصيل اليومية (إن في السجون وأماكن الاحتجاز أو خارجها)، إلى أقلام الكتاب والسياسيين وإبداع الأدباء والفنانين لكي لا يفرض إعلام الرأي الواحد والموقف الواحد ستر الحجب والنسيان بشأن الأحداث الراهنة على وعينا ثم ذاكرتنا الجماعية حين نتمكن من المناقشة الموضوعية والحرة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث