الأحمر والبني!

الأحمر والبني!
المصدر: محمد الرميحي

هل من الممكن أن تنشب الحرب بين الولايات المتحدة والغرب من جهة، وبين روسيا من جهة أخرى بسبب شبه جزيرة القرم وأوكرانيا؟ أسمع عن بعد من يقول، هل هذا ضرب من الخيال الجامح، إلا أني أستاذن بالعودة إلى كتاب بعنوان «روسيا 2010» كتبه مؤلفان هما دانيل برجن، وثان جوستافسن، الأول هو مؤلف الكتاب ذائع الصيت حول النفط (الجائزة) ونشر كتاب روسيا عام 2010 في أوائل عام 1995 وقد جرى تأليفه بدعم من عدد من الشركات الصناعية الغربية، كتبت عن هذا الكتاب في حينه مقالة مطولة في مجلة «العربي»، عدد مارس (آذار) من ذلك العام.

الكتاب (روسيا عام 2010) كان يحاول توقع سلوك وروسيا الاتحادية السياسي بعد 15 عاما من ذلك الوقت، الزمن الذي ظن المؤلفان أن روسيا سوف تحتاجه لالتقاط أنفاسها. كتب التوقعات المستقبلية عادة تقابل بكثير من الشك، وربما أيضا الاستهزاء، إلا أن علم المستقبليات قد تقدم إلى درجة أن العقل الإنساني أصبح قابلا لتصديق بعض الأفكار، خصوصا إن كانت معتمدة على مجموعة من الوقائع لا الانطباعات أو الرغبات. بعض الأحداث تفاجئنا أو تفاجئ كثيرا منا، وكلما قرأنا المقدمات بوعي، وبعقل دون عاطفة، قللنا من النتائج السلبية للمفاجآت.

في ربيع عام 1914 كانت أوروبا تبدو في حالة سلام أكثر منها في حالة حرب، وكانت بعض قطع الأسطول البريطاني وقتها تزور زيارة ودية موانئ ألمانيا، ومع ذلك في أغسطس (آب) من ذلك العام، وبعد أقل من ستة أسابيع من اغتيال الأمير النمساوي في سراييفو، قامت الحرب العالمية العظمي، مخلفة وراءها 13 مليون قتيل، وآلاف المدن الأوروبية المدمرة. الهجوم الياباني على بيرهاربر، النقطة المتقدمة من الممتلكات الأميركية كان مفاجأة، غزو العراق للكويت كان مفاجأة، وانهيار برجي نيويورك كان مفاجأة؟ أم أن كل تلك الأحداث كان لها مقدمات لم يرد بعضنا أن يراها أو يعترف بها؟ يقول أنتوني إيدن، رئيس وزراء بريطانيا في الخمسينات في مذكراته، وهي خلاصة تجارب رجل عاش كي يرى التغيرات الهائلة من حوله لفشل الشعوب في توقع الأزمات في القرن العشرين، يقول: «من المستحيل أن نقرأ ما حدث في القرن العشرين ولا نخرج برأي أنه كان هناك دائما مسؤولون يتخذون القرارات بخطوة واحدة متأخرة.. وكانت هذه الخطوة المتأخرة دائما هي القاتلة» بمعنى لو دققنا النظر في الأحداث حولنا لوجدنا أن هناك مقدمات يمكن قراءتها بوضوح في كثير من القضايا ولكننا نختار بقصد أو دون قصد التعامي عنها أو تهوين نتائجها.

ما يحدث الآن حول القرم وأوكرانيا تحدث عنه الكتاب الذي نوهنا عنه «روسيا عام 2010»، فقد طاف ذلك الكتاب بالمتغيرات العميقة التي حدثت في الاتحاد السوفياتي السابق منذ أن جاء ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة في الكرملين حتى بداية التسعينات، ولاحظ الارتباك الحادث بعد التغيير (المفاجئ) من نظام اتحاد سوفياتي، إلى روسيا الاتحادية و14 جمهورية مستقلة حوله أو بجواره خارجة عن نفوذه، يقول الكتاب: «كثير من حكام الأمس في الاتحاد السوفياتي يحكمون اليوم، وإن وضعوا على صدورهم شارات أخرى، رغم أن الآيديولوجيا الشيوعية ماتت، إلا أن الشعوب التي تمثلت الاشتراكية خلاصا لها ما زالت حية، كذلك فإن الأراضي (الإمبراطورية) السابقة قد تبعثرت إلا أنها ما زالت مرتبطة بعمق ثقافي وحضاري واقتصادي مع روسيا».

الهزيمة في الحروب في بعض الأوقات تمكن المهزوم من دفن الماضي والبدء من جديد، حدث ذلك مع عدد من الدول الكبرى أو الصغرى في الماضي، إلا أن الاتحاد السوفياتي لم يهزم في حرب تقليدية، هزم في حرب جديدة على البشرية وهي حرب (العولمة) وأدواتها الجديدة، لقد تناثرت الأفكار المثالية التي بشرت بها الاشتراكية ولكن الأكثر صعوبة أن جديدا من الأفكار لم يحل بديلا عنها، فعادت روسيا من جديد إلى أفكار سابقة (القومية) التي كانت عصب الإمبراطورية السابقة للاتحاد السوفياتي، هي قومية مليئة بالغضب والتحدي وجوع مرضي لسلطة ديكتاتورية جديدة. فكرة العودة إلى خليط من القومية والديكتاتورية هي التي جعلت المؤلفين يتحدثان عن توقعهما لبروز تحالف «الأحمر والبني» في روسيا، فلا الديمقراطية بمعناها الغربي ولا نظام اقتصادي رأسمالي حديث، يشكلان هاجسا للحكم في موسكو بعد تحلل الاتحاد السوفياتي، تلك الأفكار تمثل (غواية) لا غاية في أجندة النظام، يقول الكتاب: «الديمقراطية غير معروفة في معظم تاريخ روسيا الحديثة». ومحاولات أن تكون روسيا الاتحادية جزءا من النظام العالمي الجديد سوف تفشل في مكانين؛ الأول داخلي «تبادل سلمي للسلطة بشكل دوري»، وقد حدث المتوقع، فالسلطة أصبحت بين شخصين في القمة وظهرت وكأنها نسخة شوهاء من الديمقراطية، ولا في التعاون الدولي تجاه السلام، كما يحدث في سوريا وأخيرا الاستيلاء الذي يشبه أعمال (المافيا) على القرم.

رسم الكتاب عددا من السيناريوهات المستقبلية للوضع الروسي، منها المتفائل وآخر متشائم، إلا أنه توقف أمام مشكلة «لن تصدقوا» هي أوكرانيا وجزيرة القرم، فقال الكتاب: «إن دور روسيا في العالم لا يعكس رغبتها فقط، ولكن أيضا قد يتحرك نتيجة حوادث تقع لدى الشعوب المجاورة التي كانت في وقت ما جزءا منها، فعدم الاستقرار في تلك الدول قد يشكل فتيل قلق للأمن الروسي» الأكثر خطرا يقول الكتاب: «أن ينشأ صراع بين روسيا وأوكرانيا المستقلة فهي ثالث دولة نووية (وقتها)، متقدمة حتى عن بريطانيا وفرنسا، كما أن الطريقة التي تفكك بها الاتحاد السوفياتي تركت مجموعة من المشكلات العالقة بين روسيا وأوكرانيا، عرقية واقتصادية وجيوسياسية، وهذه المشكلات يمكن أن تشتعل فيها النيران»!! ذاك ما يجري الآن. وتذهب توقعات الكتاب إلى القول إنه مع عودة الاضطرابات إلى الجوار قد تعود موسكو إلى نهجها القديم، وهي حل المشكلات بالقوة، خصوصا في ضوء وجود جيش مدجج ومعطل. لم يكن الكاتبان يضربان في الغيب، كانا يقرآن الأحداث بعين بصيرة.

ما يمكننا أن نشهده في حال تصاعد الصراع الغربي الروسي واحتمال أن يتحول إلى صراع صفري، ترى القومية الروسية فيه أنها قد خدعت، وآن لها أن تعيد المكاسب السابقة، سواء في أوروبا أو، وهو المهم لنا في الشرق الأوسط، في منطقتنا العربية، فمن المرجح أن تزداد مساعدات روسيا إلى حلفائها في منطقتنا، خصوصا سوريا وإيران، وفي الأخيرة يمكن أن تسبب روسيا عطبا دائما لكل جهود الولايات المتحدة في نزع فتيل القدرات النووية الإيرانية، على أمل تحقيق في المكانين انتصارات تكتيكية على المعسكر الغربي وحلفائه. وفي ظل تشرذم عربي بين وغير مسبوق، واتساع الآثار المدمرة لسياسة النكايات قصيرة الأجل.. هل يمكن التعرف على توجهات المستقبل وأن نقرأ نذرها وضررها البالغ علينا، أم ننتظر فاقدي القدرة على الحراك؟

آخر الكلام:

حاربت الولايات المتحدة بكل قوتها أفغانستان بسبب كونها تؤوي «القاعدة»، الأخيرة تبني لها قواعد في سوريا، كما نشرت «نيويورك تايمز» الأربعاء الماضي، ولم تقرأ الولايات المتحدة ولا الغرب المقدمات.. ما أشبه الليلة بالبارحة!

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث