تشابه في الظلم وتأخر في الفرج

تشابه في الظلم وتأخر في الفرج
المصدر: سمير عطا الله

تتشابه بعض الأعمال الروائية، عرضا أو حكما، على الرغم من المسافات بين المؤلفين والمناخات والمراحل. ثمة تشابه منقطع بين بطل «دروز بلغراد» لربيع جابر، والفلاح الروماني في «الساعة الخامسة والعشرون» لفيرجيل جيورجيو، والسيد عبد الرحمن في «استبداد المماليك» لجورجي زيدان. كما يُضطهد السيد عبد الرحمن ويُلاحق من القاهرة إلى عكا، يُضطهد ويُطارد بطل «بؤساء» فيكتور هيغو من مدينة إلى مدينة.

الظلم لا هوية له ولا مدينة ولا وطن، ولكن في «استبداد المماليك» يُفزعنا جورجي زيدان بسبب تطابق سلوك الدولة في القرن الثامن عشر واليوم. الجنود والمرتزقة والجلادون الذين ينقضّون على أرزاق الناس وعلى أرواحهم. حنا يعقوب في «دروز بلغراد» يُعتقل ويُنقل من بيروت إلى يوغوسلافيا بسبب خطأ في الهوية. ويوهانا موريتز الفلاح الروماني يتهمه مفوض الشرطة بأنه يهودي لأن زوجته رفضت مطالب المفوض، فيُنقل، مثل حنا يعقوب، من معسكر اعتقال إلى آخر، بعدما رفض الجميع الإصغاء إلى روايته. السيد عبد الرحمن يرفض جنود علي بك الكبير الإصغاء إلى التماساته في إعفاء ابنه الوحيد من الجندية. يأخذون ماله أولا وابنه ثانيا.

نتحدث هنا عن تشابه الظلم البشري لا عن السبك أو الحبك الروائي. كلما عدنا إلى جورجي زيدان نرى ضعفا ما، ربما كان سببه كثرة الإنتاج. لذلك، نرى تكرارا معيبا في استخدام المفردة الواحدة، ونزعة إلى الحكاية أكثر ممّا إلى الفن الروائي الذي كان في ذروته في القرن التاسع عشر.

تتكرر ملاحم الظلم البشري، فرديا وجماعيا. بل تعكس الحالة الفردية قصة مراحل كاملة من الفظاعات، انتهت الآن في أمكنة كثيرة، وتزداد سوءا في بعض العالم العربي. حنا يعقوب، اللبناني في الحرب العالمية الأولى، ويوهان موريتز في الحرب العالمية الثانية، والسيد عبد الرحمن في القرن الثامن عشر، مجرد نماذج متشابهة في مراحل وبلدان مختلفة. وفي الحالات الثلاث تتفرق العائلات عنوةً وقهرا وتتابع فصول البؤس والعذاب إلى أن يجتمع الشمل سعيدا بعد ضياع جزء كبير من العمر.

يريد مناخ الحرب في عبثيته القصة والسرد معا. ليس هناك من مرجع يعود إليه الضائعون ولا من يصغي إليهم ولا من يُصدق حقائقهم، لأن حقائق الضعيف تبدو هلوسة. مَن يريد أن يصغي إلى الحقيقة في ظل البطش. الكذب والافتراء والازدراء هي عماد الظلم والقهر. مثل عمّال 1914، مثل عمّال 1942 في رومانيا، مثل تجّار القاهرة في «وكالة الصابون» القرن الثامن عشر. يُهزم الظالم حتما، لكن متأخرا.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث