القمة الـ «25»

القمة الـ «25»

عريب الرنتاوي

عدت إلى أرشيفي الخاص، وقرأت ما يزيد عن “دزينة” مقالات كنت كتبتها في هذه الزاوية عن مؤتمرات القمة العربية المتعاقبة، ولم أجد بين ثنايا وسطور ما كتبت، سوى أكثر مشاعر الخيبة والإحباط، مرارةً … وجدتني أكرر نفسي في كل عام، مع تفصيل صغير يطرأ هنا، وأزمة جديدة تهيمن على الأجواء هناك … المحصلة واحدة: لا وجود لنظام عربي، القمة عاجزة، وجودها كغيابها، وأكاد أجزم بأنني بت ميّالاً سنة بعد أخرى، لخيار غياب القمة على بقائها.

هذه المرة، لا يبدو الوضع مختلفاً أبداً … زعماء يأتون بتثاقل إلى اجتماعهم السنوي … بعضهم غيبته ثورات الربيع العربي، مرة وإلى الأبد (مبارك، بن علي، القذافي وعلي عبد الله صالح)، بعضهم يحضر لأول مرة مثل عدلي منصور وأمير قطر الجديد … دول غاب رؤساؤها وملوكها لاعتلالات صحية… وأخرى تمثلت بمسؤولين لا نعرف مواقعهم بسبب اضطراب نظامهم السياسي الانتقالي (ليبيا) … صورة سيريالية بلا شك، تتحدث عن نفسها، ولا تحتاج لمزيد من التعليق.

ظننت لوهلة أنني متحامل ومثقل بمشاعر سوداوية، جلت عبر صفحات الإنترنت، قرأت لعديد الكتاب، كتابات سابقة وحالية عن القمة، وجدت معظمهم يذهب في الاتجاه ذاته، بل وربما تفيض بين سطور مقالاته، مشاعر أكثر مرارة وسوداوية من تلك التي تعتمل في صدري… اللهم باستثناء نفر من الكتاب العرب، اللبنانيين بخاصة، وجميعهم من ذوي الوجهة الليبرالية بالمناسبة، الذين فاضت سطور مقالاتهم بعبارات التزلف والتملق وبكثير من عبارات التبجيل ونزعات التقرب من الأثرياء منهم.

هذه المرة، ترددت في الكتابة عن قمة الكويت الخامسة والعشرين، لكن الصفحات المطوّلة التي خصصتها الصحف لنشر مشاريع القرارات المنتظر صدورها عن القمة، أغراني للكتابة من جديد، فالأمر بات تقليداً سنوياً لا يجوز الانقطاع عنه، لكأنه طقس نمارسه في مطلع ربيع كل عام، مع أن معظم القادة العرب، باتوا يكرهون فصل الربيع ويتشاءمون منه، إذ يذكرهم بـ “ربيع العرب”.

قراراتهم المتكررة حفزتني لكتابة مقال متكرر كذلك … هم يرحلون قراراتهم من سنة إلى أخرى ومن عاصمة إلى عاصمة، فما العيب أن أعمد بدوري إلى ترحيل مقالي، من سنة إلى أخرى، وأن أعيد قول ما قلته من قبل، فإذا كان 22 زعيما عربيا لا يضيرهم أمر ترحيل القرارات المعلقة في الهواء والفراغ والانتظار، فلماذا أشعر بحرج إعادة انتاج مقالات سابقة، أو إعادة طباعة “بطاقات النعي” ذاتها، للقمة والعمل العربي المشترك والنظام العربي بمجمله.

حِرت في أمر العنوان … ماذا سأضع عنواناً لهذه المرثية … جال بخاطري عنوان مستوحى من أمثالنا الشعبية: “الضرب في الميت حرام”، بيد أنني فضلت عليه عنواناً آخر مستل من شعر أبو الطيب المتنبي “ما لجرح في ميت إيلام”، سيما وأن عجز البيت هذا، يسبقه صدره الذي يقول “من يهن يسهل الهوان عليه”، وفي ظني أن المتنبي نفسه، ما كان ليخطر بباله أن بيت شعر من قصيدة نظمها قبل مئات السنين، سيكون أصدق تعبيراً عن واقع الحال المقيم في دنيا العروبة من محيطها إلى خليجها … ولولا خشيتي من أن يكتفي القارئ بعنوان المقال من دونه، لاخترت ما جال بخاطري عنواناً لهذه المقالة، لكنني آثرت استدراج القارئ، وعذراً للتعبير، لجولة يشاطرني فيها ألم الكتابة عن الجرح الغائر في الجسد العربي الميت.

جديد قمة الكويت قديم، وقديم القمة لم يجلب نفعاً ولم يدفع ضُرا … قراراتهم فارغة كصناديق الدعم للانتفاضة والقدس والشعوب العربية الفقيرة … قراراتهم ميتة كمبادرتهم التي يطفون بها عواصم العالم منذ 12 عاماً دون أن يدركوا أن إكرام الميت في دفنه، وأن مثواها الأخير ليس إلا في الأرشيفات التي أكل الدهر عليها وشرب … مداولاتهم كخلافتهم، جدل بيزنطي وخلاف حول جنس الملائكة .

لا جديد في قمة الكويت، وإلى اللقاء في قمة القاهرة السادسة والعشرين، مع بطاقة نعي جديدة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث