بكل صدق

بكل صدق

سمير عطا الله

كان الأهل في الماضي يخشون على أبنائهم من تأثير الراديو والسينما، مضافا إليهما معشر الرفاق. ثم أخذوا يخافون عليهم من الراديو والسينما والتلفزيون والرفاق، ففي وجود كل هذه التأثيرات ماذا يبقى للتربية البيتية؟ ومع ظهور الإنترنت إلى «سكايب»، إلى الهاتف المرئي، و«فيسبوك» و«تويتر»، صار اليافعون عرضة لجميع أنواع التأثيرات السهلة والمباشرة، الديني والسياسي والخلاعي والعنفي والأخلاقي. ولم يعد تأثير الرفاق مقتصرا على الوقت الذي نلتقيهم فيه، بل صار لنا رفاق في أنحاء العالم، يرسلون ونرسل إليهم الصور والمواد والأفكار والإغراءات والاقتراحات والدعوات إلى التجربة.

روى موظف يعيش في إحدى قرى لبنان، أي بعيدا عن المدينة وجديدها المستمر، أنه ربط جهاز الكومبيوتر الذي يستخدمه على «كود» خاص لكي لا يفك الرمز ابنه البالغ ثلاث سنوات من العمر. وأفاق ذات يوم فرآه حل الرمز قبل أن يتعلم الفرق بين الجمع والطرح. هذا هو عالمه الذي وُلد فيه وهو عالم مفتوح أمامه، لا يغلقه شيء.

سألتني قريبة لي، أم لطفلين في الحادية عشرة والتاسعة: «هل أستطيع أن (أحرمهما)؟ إذا كان جميع رفاقهما يستخدمون الإنترنت فإنهما سوف يشعران كل يوم بالظلم». حاولي، كأم، أن يظل تأثيرك أقوى، قدر المستطاع، من العالم الافتراضي الذي يعومان على سطحه. مثل معظم الاختراعات في حياتنا، هو سيف ذو حدَّين. هكذا كان الراديو والسينما والتلفزيون، وهكذا هو الكومبيوتر والهاتف النقال والألعاب الكهربائية والمعشر السيئ.

لست أندم على سوء تعرفت إليه في السينما أو التلفزيون أو القراءة، لكنني لا أطيق أن أتذكر الأثر الذي تركه في سلوكي خلال مرحلة معينة بعض الرفاق، أو بعض أهل المهنة. وكما أشعر بدين، لا يمكن لأي وفاء تسديده بالنسبة إلى البعض، أشعر بألم لا يزول يوم عاملت الحياة بخفة وإهمال مثل البعض الآخر. أتمنى للطالعين أن يدرسوا رفاقهم أكثر من دراسة فروضهم في الفيزياء والتاريخ والآداب.

تأمل جيدا في سلوكك، وافعل ذلك كل يوم. حاذر أن تستسهل الافتراض مثل هذا الصديق الذي يضحك الناس لظرفه. فسوف تندم وتتألم لأن الظرف مهنة يعتاش منها صاحبها وحده. الحياة ليست سينما ولا تلفزيونا ولا «إنترنت». والذي يعلمك أن الحياة هرج مثل الذي يعلمك أن الحياة موت وقتل. بعض الناس يكتبون إلى الصحف يسألونها المشورة. حاول أولا أن تسأل والدك، ثم أمك، ثم أخاك الأكبر. عائلتك أصدق من رفيق الـ«فيسبوك». والدك أعمق وأخبر من «تويتر». لا تترك الوسائل الحديثة لأنها عالم اليوم، لكن لا تمكِّنها من إلغاء قِيَمَك القديمة، فهي لا تتغير. المبادئ الأخلاقية لا يمر عليها الزمن. جماليات الأنفس لا تهترئ ولا تصدأ ولا تشيخ. تذكَّر دوما أنك أُعطيت العقل لكي يحميك من أسوأ مما يمكن أن تقع فيه: الندم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث