لا لزوم له!

لا لزوم له!
المصدر: محمد الرميحي

«لا لزوم له» في العنوان، يسعى إلى تأكيد الرغبة في عدم توسيع الهوة بين الإخوة في الخليج، فقطاع شعبي واسع في دول الخليج كان رد فعله تجاه أحداث الأسبوع الماضي من سحب السفراء الرغبة الحقيقية في أن تعود المياه إلى مجاريها بأسرع وقت ممكن، وربما قبل انعقاد القمة المقبلة بالكويت في الأسبوع الأخير من الشهر الحالي. قراءة ما حدث منذ سحب السفراء، تتركز على ما يمكن أن يوصف بأنه تداعيات ما عرف الآن في الأدبيات السياسية بفقاعة ربيع العرب، وقد كان كاتب هذه السطور قد نوه هنا قبل فترة عن معادلة حكمت العلاقة الخليجية بأحداث الربيع، هي أن (دول الخليج قد اشترت تذكرة يانصيب في أحداث الربيع، ولكنها تغاضت عن شراء بوليصة تأمين!)، التأمين المقصود هو التوافق على استراتيجية بعيدة المدى لمواجهة التداعيات، لم يحدث ذلك، فقد اندفعت بعض دول الخليج بحماس إلى دعم التغيير في مكان كدول منفردة، كما نشطت في أماكن أخرى إلى دعم التغيير مجتمعة، في المقام الأخير كان الأكثر وضوحا الحراك اليمني، فقد سميت خريطة الطريق التي سارت عليها أحداث اليمن، المبادرة الخليجية، وما زالت تعمل وتتعثر، كما كان شبه الإجماع في اتجاه الشأن السوري بعضه واضح، وبعضه سياسي وإعلامي، وآخر مستتر ولكنه مؤيد لعمليات التغيير ومناصر للمعارضة السورية. بقي الوفاق الثاني حتى الساعة.

في كل من مصر وإلى حد أقل تونس وليبيا، كان هناك تأييد من أطراف تبنت اجتهادات مختلفة دون التنسيق بينها، ومع تغيير المشهد الذي حدث بسرعة وانعطاف في مسار الأحداث، تغيرت حوله التحالفات تقريبا بنفس السرعة من توافق إلى تعارض، خاصة تجاه مصر، تحول إلى اختلاف خليجي – خليجي، هو الأول من نوعه وغير مسبوق في التاريخ الحديث. فقد كانت العلاقات بين دول الخليج، مهما اشتد الخلاف، يحرص الجميع على أن تكون محصورة وغير قابلة للانفجار، كما يحرص على إبعاد تأثيرها عن النسيج الاجتماعي المتداخل، فهو يهتز من جراء بعض الخلافات، ولكن لا يتمزق. كما تحرص الأطراف على ألا تترك للآخرين فرصة لتضخيم الهواجس وتفسير النوايا، وغالبا ما تتغلب الحكمة ويرجح العقل. هذه المرة وصلت إلى ذلك. اليوم يضع كثيرون أيديهم على قلوبهم، يرجون أن يكون هذا الخلاف قابلا للتجاوز وفي أقصر وقت وأقل خسائر ممكنة للجميع، حيث خسارة طرف هي بالتأكيد خسارة الكل.

المستفيد سرعان ما ظهر على السطح وبسرعة، وجاء من أكثر من مكان، بعضه شامت والآخر موغل في التوظيف السلبي، فقد تسابقت أقلام شامتة أو معادية، إلى تضخيم المختلف، وانهمرت حملة من التفسيرات البالغة الشطط تجاوزت الجوامع والوشائج، وهذا دليل على أن أي خلاف في البيت الخليجي هو بمثابة موسيقى ترقص عليها تلك القوى بنشوة وجذالة. الرد الشعبي الخليجي ظهر في وسائل الاتصال الحديثة أو ما يسمى الفضاء الإلكتروني، فقد تكاثرت الدعوات في أوساطه لتأكيد الإيجابي، والبعد عن السلبي والنأي بالنفس عن التنابذ، وعدم تأجيج خلاف الإخوة، لأنه خلاف داخل البيت الواحد. وكما أن هناك عقلا، فهناك دائما (قلة عقل) – إن صح التعبير، فتناولت أقلام شامتة أو تسعى لتحقيق فائدة شخصية للنفخ في الخلاف، ليس من باب الشرح أو التوعية، ولكن من باب التضليل والتهليل والتهويل، حتى غدا الجمهور يشاهد مباراة كلامية ومبارزة لفظية بين هؤلاء غير مسبوقة في المستوى والأدوات، وكان مثل هؤلاء قد تدربوا أيام الحروب الباردة على استخدام مثل تلك الأسلحة للنيل من الخصوم. ولأن الطبع يغلب التطبع، فإن البعض لم يفرق بين الخصوم الخارجيين، والإخوة.

يقيني بأن هناك من العقلاء في الجانبين من هم على استعداد للسمع والحوار والوصول إلى حلول، لعدد من الأسباب؛ السبب الأول أن لا مصلحة لأحد في توسيع الشقة والتنافر، فهناك مصالح كبرى تجمع هذه الوحدات السياسية، وقد كانت قادرة في أحلك الظروف وأكثر الأزمات سخونة على أن تتجاوز الخلاف الأصغر لتغليب المصلحة الأكبر، وهي مصلحة تصب فيما سميته (بوليصة تأمين) لتداعيات فقاعات الربيع. يكفى أن نستمع للسيد نوري المالكي، أمام عجزه عن تقديم حلول سياسية في بلاد يعصف بها التمزق، أن السبب في أزمته هو (الإرهاب) الذي تقف خلفه (دولتان خليجيتان سماهما)! وهي إشارة من جملة إشارات يشاركه فيها الرئيس بشار الأسد وعدد من أصحاب المصالح للبحث عن ذرائع لإدانة دول الخليج، كما مع الأسف يتشارك في الفكرة العامة (لوم دول الخليج) بعض القوى اليمنية التي لم تسر الأمور على ما تشتهيه. إذن، من الأولى النظر إلى ما يقوله الآخر تجاه منظومة الخليج، حتى نعرف أن التداعيات العربية، التي ظن أنها لن تصل إلى دول الخليج، هي في الحقيقة قد وصلت إليها بطريقة لم يكن يتوقعها أحد، وهي شق الصف، بانتظار تأجيج الخلاف من أجل إضعاف الجميع في البيت الخليجي أو على أقل تقدير إلهاء بعضهم بعضا.

دول الخليج أمامها ثلاثة موضوعات واجبة النظر: الأول، أن استمرار الاضطراب في الجوار العربي المأزوم يضع ضغوطا هائلة واستراتيجية على موارد الخليج. والثاني، تتطلع من داخل حدودها إلى قدوم متشددين من خارج الحدود حملوا السلاح الناري وقاتلوا في الجبهات، وهي عودة قد تعبث بالجبهات الداخلية، وتذكرنا بالعائدين من أفغانستان، تكفي وحدها للتحوط. وثالثا، تتطلع إلى جماعات نائمة لها نفس الأفكار وتتحفز للوثوب من أجل خلخلة الجبهة الداخلية، وهي قوى تعمل الآن على تفعيل قوتها الناعمة، عن طريق ازدراء مفهوم الدولة بمعناها الحديث، من أجل إعلاء وربما تمكين قوى دون الدولة، لها امتدادات في الجوار أو الخارج.

الإسراع في خلط الأوراق وتشجيع الجهلاء أو أصحاب الوعي المحدود من أجل تحقيق انتصارات في الفضاء الإعلامي يؤدي، رغب أحد أو لم يرغب، إلى إضعاف داخلي بعيد التأثير، وقد بدأت قوى شبه منظمة محاولة الاستفادة من الخلاف بتوزيع مشاهد وأخبار ونسبة أقوال مزورة، وإطلاق تهديدات للأطراف المختلفة، كل منها يدعي وصلا بليلى ودفاعا عنها، في ظاهرها الرحمة، وفي باطنها بالعذاب.

آخر الكلام:

الهدم سهل، الصعب هو البناء!

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث