أوباما على خطى كيري .. إلى واشنطن دُرْ !

أوباما على خطى كيري .. إلى واشنطن دُرْ !

عريب الرنتاوي

خلال الأسبوعين القادمين سيكون الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد استقبل من بنيامين نتنياهو ومحمود عباس على التوالي، “وفود المقدمة” وصلت منذ أيام للعاصمة الأمريكية للتحضير لما يمكن وصفه آخر محاولة لإنقاذ مهمة الوزير جون كيري، فيما الأزمة الأوكرانية تكاد تطغى على مختلف أزمات المنطقة والعالم، وتحتل مكان الصدارة على جدول أعمال سيد البيت الأبيض وزعماء الدول الكبرى.

قبل أن يغادر تل أبيب إلى واشنطن، قطع نتنياهو على نفسه وأمام جمهوره، تعهدين اثنين: الأول، ألا يخضع للضغوط الأمريكية مهما بلغت قسوتها … والثاني، ألا يوقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس مهما كان الثمن … بهذا المعنى، يكون رئيس حكومة اليمين واليمين المتطرف قد نطق بحكم الإعدام على مهمة كيري ومسار التفاوض وعملية السلام برمتها.

قبلها بيوم أو اثنين، كنّا استمعنا من كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات لعرض موجز عمّا يجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين عبر الوسيط الأمريكي … لا أفكار أمريكية مكتوبة حتى الآن، أما الشفهي منها، فقابل للتغير والتبديل بين عشية وضحاها، لذا يصعب الحديث عن “تقدم” مثلما يصعب الحديث عن “اتفاق”.

إسرائيل على تعنتها، لا جديد في الأمر، هي تصرُّ على نفي مرجعية خط الرابع من حزيران 1967، وتتوسع في الحديث عن تبادل الأراضي، وترفض حق العودة، وتصر على العاصمة الأبدية الموحدة، وهي على صلفها بصدد “يهودية الدولة”، ولا تتخلى عن وجودها العسكري والأمني والاستيطاني في غور الأردن.

كيف يمكن للمفاوضات الأمريكية – الإسرائيلية أن تنتهي؟، سؤال يكتسب أهمية أكبر من السؤال عن مصائر المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فالأخيرة لن تبدأ بشكل جدي، قبل أن يصل نتنياهو – أوباما إلى اتفاق، يجري بعدها تسويقه (اقرأ فرضه) على الجانب الفلسطيني … من السابق لأوانه القول إن قمة نتنياهو – أوباما ستنتهي إلى اتفاق، فمن الواضح أن إسرائيل ليست بصدد تكييف مواقفها ومصالحها مع متطلبات مهمة كيري وشروط نجاحها، فيما واشنطن أعجز من أن تمارس ضغطاً حقيقياً على إسرائيل.

القيادة الفلسطينية ما زالت تؤكد رفضها الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية أو كوطن قومي لليهود، هناك محاولات للبحث عن “مخرج” من هذا الاستعصاء، وليس عن حل حقيقي له، وثمة سيناريوهات عديدة يجرى تداولها، من بينها أن يعترف العرب بإسرائيل كدولة يهودية، فيأتي الاعتراف الفلسطيني من باب تحصيل الحاصل، وهناك حديث عن تعريف إسرائيل لنفسها بهذه الهوية في الأمم المتحدة، فيكون اعتراف أي جهة بها بمثابة اعتراف بيهوديتها … لكن إسرائيل لا يهمها اعتراف العالم بأسره بها كدولة يهودية، هي تريد انتزاع اعتراف فلسطيني بيهوديتها، وهذا ما يرفض الفلسطينيون فعله حتى الآن.

والقيادة الفلسطينية ما زالت متمسكة بالقدس الشرقية وحق عودة اللاجئين بوصفها حق فردي لكل لاجئ فلسطيني، لا يحق لأحد أن يتخلى عنه أو يصادره، وكذا الأمر بالنسبة للغور والترتيبات الأمنية ومرجعية الرابع من حزيران مع تبادل محدود للأراضي … ليس ثمة ما يشير إلى أن تنازلات جوهرية، قد قُدمت من الجانب الفلسطيني حتى الآن، لكن الباب سيظل مفتوحاً لطوفان من الضغوط متعددة المصادر والأشكال، ومن بينها ضغوط من عواصم عربية، لثني المفاوض الفلسطيني عن موقعه وموقفه.

بعض العرب، من أنظمة وحكومات، لا يكف عن إسداء “النصح” للقيادة الفلسطينية بالتجاوب مع مهمة كيري وتدوير بعض الزوايا الحادة في الموقف الفلسطيني … هؤلاء لا يجرؤون على البوح علناً بمواقفهم هذه … هم يريد لكيري أن ينجح في مسعاه، حتى وإن كان الثمن، تنازلات جوهرية يقدمها الجانب الفلسطيني على مذبح الضيق العربي الرسمي بالقضية الفلسطينية … هم يريدون للقيادة الفلسطينية أن تحمل على أكتافها وحدها وزر هذه التنازلات وعبئها وكلفتها … ليخرجوا علينا بعد ذلك بالقول: نقبل بما يقبل الفلسطينيون، بل وقد ينبري بعضهم للمزايدة على الجانب الفلسطيني كالقول مثلاً، إن القيادة الفلسطينية هي من سارع لتقديم هذه التنازلات، هي من خذلنا وأحبط مساعينا، فهل تريدون لنا أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم؟

ليس ثمة ما يدعو للتفاؤل في مفاوضات واشنطن مثلثة الأطراف، فالفجوة التي تباعد ما بين الفلسطيني والإسرائيلي ما زالت على حالها، مع أن الإدارة الأمريكية، لا تدخر وسعاً في سعيها لتجسير الفجوات وتقريب المواقف … لكن هذا المسعى سيبقى محكوماً عليه بالفشل، ما لم تقرر واشنطن ممارسة ضغط كبير على “أزعر الحي” المنفلت من عقاله، والخارج على القانون، والذي نشأ على فرضية أنه يحق له ما لا يحق لغيره، وهذا ما يبدو مستبعداً في المدى المرئي والمنظور على أقل تقدير.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث