المدرسة

المدرسة

سمير عطا الله

الإيطاليون يسمّون مثل هذه الوجوه “الوجه الفظ”، (فاتشا بروتا). العنف طبع والتلذذ بعذاب الآخرين هواية.

وقد أمر المدني هاري ترومان بإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وذهب يشرب الشاي مع زوجته التي سيطرت عليه منذ صغره، ولم تكن له زوجة موازية كعادة رجال البيت الأبيض منذ أيام أبراهام لنكولن، “النسونجي” الأكبر، بـ”اللغة اللبناني”.

أما العسكري دوايت إيزنهاور فقال: “أنا أفهم أن تضرب هيروشيما لضرورة استراتيجية، لكن بأي ضرورة قصفت مدينة ناغازاكي بقنبلة ذرية أخرى”؟ اخترع البشر مصطلحات كثيرة لتغطية الأطماع والأخطاء والشهوات، منها “الاستراتيجية”. وفي معظم الحالات ليست سوى قتل وبلطجة وتلمظ بمشاهد الدماء والموت.

حارب الأمريكيون في فيتنام، وتقاتلوا مع السوفيات في أنغولا، وأرسل كاسترو جنرالاته إلى أفريقيا “لأسباب استراتيجية”. واحتلت إسرائيل سيناء والضفة الغربية والجولان والقدس في “حرب وقائية”، ولا تزال تطلق على جيشها “جيش الدفاع”، أي أنه مجموعة حملان تدافع عن نفسها. هناك مصطلح آخر هو “المجال الحيوي” تستخدمه دول السطوة في تبرير الجريمة. استخدمه هتلر عندما شن الحرب العالمية الثانية من تشيكوسلوفاكيا بداعي الدفاع الوقائي عن ألمان إقليم السوديت فيها.

الآن يرسل بوتين البلطجية والشبيحة إلى أوكرانيا بداعي الدفاع عن ذوي الأصول الروسية. وننسى جميعنا أن الروس نشروا في جميع الجمهوريات السابقة كمستوطنين، لكي يتحكموا باقتصاديات وقرار تلك البلدان، وتصرفوا كطبقة مستعمرة، وربطوا كل خيرات تلك البلدان بمصالح موسكو.

درجة “المجال الحيوي” اختلفت كثيرا بين بلاد التتار والبشكير والقرغيز وما بين أوكرانيا، مثلا. لكن ستالين لم يتردد لحظة في استخدام سياسة الإبادة الجماعية و”التطهير العرقي” (الإزالة) في أوكرانيا أو الشيشان أو بولندا، ناهيك بروسيا نفسها حيث فتح أبواب الجحيم الجليدي، سيبيريا، أفظع أتون ثلجي في التاريخ. صحيح أنه ورثه عن القيصر لكنه “طوَّره” بأوسع وأعمق ما يتخيله الجنون الإجرامي. اشترى الأمريكيون ألاسكا من الروس عام 1867 وحولوا جليدها إلى مناجم ذهب ومنابع بترول، وظلت سيبيريا سجنا سيئ الصيت للروس. وتمنح كندا قطاعها الجليدي في “بلاد الإسكيمو” أقصى أنواع الرعاية، بينما حولت موسكو العواصف الثلجية إلى أسوأ أنواع العقاب. الفظاظة مدرسة قديمة. ترك ستالين في الكرملين آثارا لم يستطع محوها نيكيتا خروشوف في الخمسينات، أو ميخائيل غورباتشوف في التسعينات.

لا أحد ضد أن يستعيد بوتين كرامة روسيا وأن يعلّي شأن الروس. العالم ضد نظرته إلى كرامات وأرواح البشر في سوريا أو في أوكرانيا أو في الشيشان. لا بدّ من أن يبلِّغه أحد بأن المدرسة السيبيرية قد انتهت. حاول أن تبتسم. وأن تُقنع “الفاتشا بروتا” بذلك أيضا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث