الخلافة والدولة

الخلافة والدولة
المصدر: خالد الدخيل

ما هي مؤشرات الانفصال بين الدين والدولة في التاريخ الإسلامي؟ أول المؤشرات هو الانتقال من مرحلة الخلافة، مثلما تمثلت في الخلافة الراشدة إلى مرحلة مختلفة أصبحت فيها الدولة إسلامية، لكنها لم تكن خلافة بحسب ما يشبه الإجماع بين الفقهاء والمؤرخين.

وبدأ هذا التحول مع الدولة الأموية، ثم ترسخ مع الدول التي تعاقبت بعدها عبر القرون، وهذا يعني أن الخلافة في التجربة الإسلامية هي المقياس الأول والأهم، وربما الوحيد لتحديد الفارق بين الاثنين في ما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة في كل منهما. ولاحظنا – الأسبوع الماضي – أن الخلافة هي الشكل السياسي الإسلامي الوحيد الذي تحققت فيه أعلى درجات الاتحاد بين الدين والدولة، وما بعد هذه الخلافة شيء مختلف تماماً. ومن يقول إن الدين ظل متحداً مع الدولة عبر التاريخ الإسلامي يتنكر لحقيقة هذا التاريخ وما مر به من تحولات، وما خبره من دول وإمارات وسلطنات مختلفة، يجمع بينها شيء واحد، وهو أن علاقة كل واحدة منها بالدين تختلف عما كانت عليه هذه العلاقة زمن الخلافة الراشدة.

ولاحظ المؤرخون والمفكرون أن الخلافة الراشدة لم تدم أكثر من 30 عاماً، وإذا أضيفت إليها أعوام دولة المدينة في زمن النبي محمد – عليه الصلاة والسلام – صار المجموع 41 عاماً، وهذا العدد من الأعوام، أو أربعة عقود في خضم أكثر من 1400 عام، يعني أن الخلافة الراشدة وقبلها دولة النبوة، كانت تاريخياً حالة استثنائية، حالة يمكن القياس عليها، لكنها غير قابلة للتكرار. وربما لهذا السبب تعرضت هذه التجربة للانتكاسة بعد زمن قصير من وفاة الخليفة الثاني عمر، وبداية انهيارها بمقتل الخليفة الثالث عثمان على يد المتمردين، ثم انهيارها بالكامل تحت وطأة ما صار يعرف بـ«الفتنة الكبرى» في التاريخ الإسلامي، أو الحرب الأهلية المريرة التي انتهت بمقتل الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، ثم قيام الدولة الأموية على يد معاوية بن أبي سفيان.

ما الذي يميز الخلافة عما جاء بعدها من دول وأنظمة سياسية؟ ما يميزها أن الحكم فيها لخدمة الشريعة، وليس العكس. في حال الدولة تصبح الشريعة في خدمتها أو في خدمة السياسة، أي أن الشريعة في هذه الحال مجرد قانون للدولة، وهو ما ينطوي على درجة من الانفصال بين الدولة والدين. على الأقل هذه هي الصورة النموذجية التي تشكلت عبر التاريخ وأحداثه عن مرحلة الخلافة ومقارنتها بما جاء بعدها. هل تتطابق هذه الصورة تماماً مع الواقع الذي كانت عليه هذه الخلافة في حقيقتها؟ هذا سؤال آخر لا يؤخر، ولا يقدم كثيراً في المسألة. النماذج المثالية بطبيعتها أدوات منهجية، وليست تصويراً حقيقياً للتاريخ. هي في الغالب نماذج ذهنية لا تعكس بالضرورة الواقع الأكثر تعقيداً، وإنما تضيئه لأنها انعكاس لما كان عليه وانتهى إليه هذا الواقع. تفيد هذه النماذج كونها أدوات منهجية في التعرف على الواقع كما هو، وبالتالي تفيد في القياس لمعرفة مدى قرب أو بُعد هذه التجربة أو هذه الحال أو تلك على أرض الواقع من النموذج المثالي.

اللافت إلى جانب ذلك، أن نموذجية الخلافة الراشدة لم تجعل منها المعيار الأول لتحديد شرعية الحكم في الدول الإسلامية التي جاءت بعدها. بعبارة أخرى، من الناحية التاريخية وعلى رغم كل التبجيل الذي حظيت به الخلافة الراشدة – ولا تزال تحظى به في الوعي الإسلامي، بما في ذلك رجال الدين والسياسيين – لم تتحول، وبكل ما قدمته من سوابق وتجارب سياسية، إلى مرجعية فكرية وقانونية حاكمة لكل التجارب السياسية وتجارب الحكم التي تعاقبت منذ نهاية مرحلة الخلافة الراشدة وحتى وقتنا الحاضر. ما حصل هو أن ما بعد الخلافة الراشدة، وبخاصة ما بعد الفتنة الكبرى، هو الذي تحول إلى مرجعية سياسية لكل التجارب وأشكال الحكم التي تعاقبت بعد ذلك.

استثنائية الخلافة الراشدة ونموذجيتها جعلت منها – بحسب الباحث المغربي عبدالله العروي – نوعاً من الطوبى يحلم بها كل مسلم، تحولت هذه الطوبى إلى «ظل السلطنة القائمة… يعيش المرء تحت سلطان، ويتخيل نظاماً لا يحتاج إلى سلطان» (مفهوم الدولة، ص114).

لماذا لا يحتاج إلى سلطان؟ لأن الوازع في النظام النموذجي في مثاليته لا يحتاج إلى سلطة سياسية ترغم الإنسان على الالتزام بمقتضيات القانون والأعراف السائدة، هي نوع من التوق الإنساني أمام واقع يزداد صعوبة وبؤساً. من جانبهم، أدرك الفقهاء الطبيعة القارة للخلافة، وأنها غير قابلة للتكرار. في موقفهم الكثير من الواقعية، لكنهم ظلوا يتشوفون إلى شيء ما ربما يحدث. ينقل العروي عن الغزالي قوله: «إننا نراعي الصفات والشروط في السلاطين تشوفاً إلى مزايا المصالح. ولو قضينا ببطلان الولايات الآن لبطلت المصالح رأساً. فكيف يفوت رأس المال في طلب الربح»؟

ما الذي تقوله الملاحظات السابقة عن موضوع علاقة الدين بالدولة في الإسلام؟ تقول أمرين متلازمين، الأول أن مرجعية القياس بالنسبة إلى هذه العلاقة ليس القرآن، وفي هذا مفارقة لافتة. فالقرآن هو النص المؤسس، وهو المصدر الأول للتشريع بحسب المدونة الفقهية الإسلامية. من ناحية ثانية ليس في القرآن أي توجيه واضح ومباشر عن الحكم، طبيعته، وتداوله، وحقوقه، وواجباته، وطبيعة علاقته بالمجتمع، بل إن مفهوم الدولة بمعناه السياسي والمؤسساتي – كما لاحظ كثيرون – لا يرد له ذكر في القرآن البتة. هل إنه لهذا السبب، قبل غيره، تم استبعاد القرآن مقياساً ومرجعية لهذه القضية المركزية؟ المقياس الذي على أساسه يتم تحديد طبيعة هذه العلاقة هو الخلافة، وتحديداً الخلافة الراشدة. وهذه الخلافة، كما بات معروفاً، حالة استثنائية في التاريخ الإسلامي وغير قابلة للتكرار.

معيار القياس هنا ليس أكثر من سابقة سياسية وقانونية موقتة. كيف يمكن القياس على سابقة من هذا النوع؟ الأمر الثاني، وعلى صلة بذلك، أن سؤال الحكم في الإسلام ظل معلقاً من دون إجابة واضحة تحظى بالقبول والإجماع. لم يحسم السؤال منذ حادثة السقيفة قبل أكثر من 1400 عام. طرح السؤال في السقيفة ونتج منه ما يشبه الإجماع على خلافة أبي بكر، لكن السؤال لم يطرح بكل مكوناته حزمة كاملة، وإنما طُرح مكون واحد من مكوناته: من الذي له الحق في خلافة النبي – عليه الصلاة والسلام – في رئاسة الأمة الجديدة؟ من هنا اختلفت الطريقة التي تولى بها كل خليفة من الخلفاء الراشدين الأربعة منصبه، وهذه الطرق كما باتت معروفة أربعة: واحدة لأبي بكر، وثانية لعمر، وثالثة لعثمان، ورابعة لعلي. بعد الفتنة الكبرى ظهرت طريقة خامسة استمرت وثبتت لزمن أطول كثيراً مما حصل للخلافة. ما الذي يمكن أن نستنتجه من ذلك؟

*الحياة
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث