تحيات ممنوعة

تحيات ممنوعة
المصدر: خالد القشطيني

من الشائع في هذه الأيام أن تجد الدكاكين وأكشاك البطاقات في الغرب تعرض بطاقات ظريفة وجميلة تحمل كلمات: «نحييكم تحية الموسم» Season’s Greetings، تبعث بها لأصحابك حسب الموسم؛ عيد الأضحى.. شهر رمضان، أو «يوم الكريسماس» أو عيد الفصح.. وهلم جرا.. ينطبق ذلك على المؤسسات العامة والبنوك والشركات عندما تقدم تهانيها ومعايداتها لزبائنها أو شركائها أو موظفيها. كل ذلك حرصا على عدم جرح مشاعرهم أو تحدي معتقداتهم.. لا تدري من منهم مسلم أو يهودي أو مسيحي أو ملحد أو لا ديني. وفي سائر الأحوال، قد تشير تحيات الموسم إلى مواسم صيد ابن أوى، أو صيد السمك، أو التزلج على الجليد، أو التشمس في البلاجات.

سرى هذا التقليد الآن حتى بين الأفراد.. كثيرا ما أتسلم بطاقات من هذا النوع، وكثيرا ما تجرح مشاعري عندما تردني في موسم دفع ضريبة الدخل، فتبدو تحيات الموسم وكأنها بطاقة سخرية.

بطاقات تحية الموسم جزء من عملية فصل الدين عن الدولة في الغرب، فرجال الأعمال ورجال الدولة وزعماء الأحزاب يحرصون على عدم الزج بالدين وما يتضمنه من مناسبات في الشؤون العامة. إذا كان لا بد من تقديم التهاني والتحيات، فلتكن باسم «الموسم»، دون الدخول في التفاصيل، ولكل أن يفسر الموضوع حسب رأيه ومشاعره.

امتد هذا الفصل إلى تحاشي الزج بالرموز الدينية في الأماكن.. كان المعتاد أن يضعوا نصب السيد المسيح في مداخل المستشفيات والصليب في غرف المرضى، ولكن أصبح غير مسموح الآن في المستشفيات العامة بأن تضع مثل ذلك.. إذا أراد المريض أن يضعوا الصليب أمامه، أو أراد مريض مسلم أن يضعوا المصحف الشريف بجانبه، جاءوه به.. إنها مسألة حرية الاختيار.

أتذكر يوما عندما كنت في مستشفى «همرسمث» بلندن، أن حل يوم الأحد فجاءت جوقة من المتطوعين المسيحيين وراحت تنشد بعض التراتيل والأغاني الروحية والدينية.. ثار أحد المرضى على ذلك وضرب الجرس لتأتي الممرضة وتطرد هذه الجوقة من الردهة.. اعتبرها إزعاجا له، وكانت دقائق محرجة بالنسبة للجميع.. لم يعودوا يسمحون لمثل هذه الأنشطة في المستشفيات، وأصبح من التقاليد المتبعة أن يترخص المنشدون من الحاضرين أولا قبل أن ينشدوا أي شيء، ويكفي أن يعترض شخص واحد ليتوقفوا عن الإنشاد.

وفي الولايات المتحدة، أصبح محرما على المؤسسات العامة أن تضع أي شجرة «كريسماس» أو زينة «كريسماسية» في البناية، فقد يكون بين موظفيها ومراجعيها من لا يؤمن، وأكثر الغربيين الآن لا يؤمنون، ولربما يعترض بعضهم على هذه الرموز، لا سيما عندما تكون على حساب دافعي الضرائب ومن ميزانية المؤسسة.

ولكنني أجد مثل هذا التزمت في الإصرار على فصل الدولة عن الدين، فيه بعض التطرف أحيانا بما يحرم الإنسان من الاستمتاع بكل هذه الرمزيات الجمالية والموسيقية بغض النظر عن ديانته أو إيمانه أو إلحاده، وسأشعر بأسف وأسى إذا حرمتني الدولة من التفرج على شجرة «كريسماس» الزاهية في ساحة الطرف الأغر.

(الشرق الأوسط)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث