نيبور يعاني ويتفهم

نيبور يعاني ويتفهم
المصدر: سمير عطا الله

اعتمدت في كتاب «قافلة الحبر» أن أبدأ ببعثة الرحالة الدنماركي كارستن نيبور، باعتباره أول غربي عبر الجزيرة العربية عام 1762. إضافة إلى رحلاته في مصر والبحرين والكويت. وصف نيبور ما عاناه ورفاقه من أمراض ومتاعب وملاحقات في اليمن. كانت رحلة نيبور عبارة عن ملحمة إنسانية، أهم ما فيها أن هدفها لم يكن سياسيا، بل مجرد عمل جغرافي بحثي، موّلته دولة صغيرة بلا طموحات استعمارية.

عندما قرأ صديق كبير رحلة نيبور في «قافلة الحبر» كان سؤاله الوحيد: كيف تحمّل هذا الإنسان كل تلك المتاعب؟

الكتاب الآخر الذي وضعه نيبور كان «وصف أقاليم شبه الجزيرة العربية» (دار الانتشار العربي، ترجمة: مازن صلاح). أذهلني وأنا أقرأ هذا الدنماركي كيف أنه ينحى باللوم على نفسه وعلى رفاقه في كل ما حدث له. وكيف يجد الأعذار للذين أساءوا معاملته: «أسرعنا في سعينا فلم نعرف داخل البلاد معرفة حقّة، سلكنا طرقات خاطئة، وسبب لنا السكان بعض المتاعب، ولعلنا لقلة معرفتنا بالبلاد وسكانها، تذمّرنا ونسينا أن المرء لا يسافر في أوروبا بسهولة». لاحظ «بعض المتاعب» ولاحظ أن السفر في اليمن ضيق مثلما هو في أوروبا في القرن الثامن عشر! ويقول: «نحكم نحن الأوروبيين على عادات الشعوب الأخرى بتسرّع من دون أن نعرفها».

تلاحظ من آثار الرحالة أن الإسكندنافيين، من دنماركيين وفنلنديين، كانوا أكثر تواضعا وأقل تعاليا من البريطانيين والفرنسيين، وكانوا أكثر تحملا فيما تعرضوا له. وينقد نيبور ويحاجج الأوروبيين الآخرين الذين سبقوه إلى بلاد العرب. ويقول: إنهم لم يفهموا جيدا الطبع العربي. ولكي نأخذ فكرة عن الحياة في اليمن في تلك المرحلة يخبرنا نيبور بأن «الشركة الإنجليزية للهند الشرقية ترسل باخرة أوروبية كل عامين إلى مخا (…)، كما تمر عدة بواخر إنجليزية أخرى سنويا عبر الخليج العربي آتية من بلاد الهند».

وينبه الرحالة الدنماركي المسافرين الآخرين: «الشباب، الذين يبحثون عن الملذات والمسرات، فليتجنبوا شبه الجزيرة العربية. فقد تجدون شرقيين ذواقة يقدمون على موائدهم الأطايب، لكن لن تقعوا على فنادق في جودة فنادقنا، وعلى المسافر أن يعِد طعامه بنفسه في النزُل وفي الصحراء، وأن يحمل معه فراشه وأدوات الطبخ حتى في الأماكن الآهلة. ولدى العرب عادة ممتازة وهي مساعدة الغريب على تعلم لغتهم وعدم الاستهزاء به إن أخطأ في اللفظ. وقد استقدمت لبنانيا يعرف الإيطالية إلى القاهرة لكي يعلمني العربية».

*الشرق الأوسط
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث