مفكرة دبي: السعادة في عالم بائس

مفكرة دبي: السعادة في عالم بائس

سمير عطا الله

قبل سنوات تناولنا الغداء عند الشيخ محمد بن راشد في مزرعته. كان الكلام حول مطار دبي بعد عشر سنوات. وقال الشيخ محمد إنه في حينها يكون عدد المسافرين قد بلغ 50 مليونا. لا أعرف ماذا قال الضيوف لأنفسهم، أما أنا القادم من هيثرو، فقلت في نفسي: الأحلام لا حدود لها، فمن أين لدبي 50 مليون مسافر؟

العام الماضي زاد عدد مسافري المطار على 60 مليونا. ولم يعد في العالم مدينة لا تصلها “طيران الإمارات” التي صارت مالكة أكبر عدد من الطائرات المدنية خارج الولايات المتحدة. 18 رحلة في اليوم إلى بريطانيا. خمس إلى أستراليا. مازحت عاملة الصرافة في المطار وسألتها إن كانت تقبل عملة نيجيرية، فارتعدت خلف الزجاج واعتذرت، لكنها استدركت أن هناك رحلات إلى نيجيريا! وفي إمكانك أن تبدل العملة هناك.

عندما عرض في القمة الحكومية نموذج لطائرة “الدرون” التي سوف تستخدم بعد خمس سنوات في نقل الأدوية، أو الوثائق، أو البريد في الإمارات، تعلمت ألا أُفاجأ. وعندما عرض فيلم “وثائقي” عن الحياة في الإمارات عام 2021 خُيِّل إلينا أننا نرى فيلما عن الحاضر. وعندما تمشيت في الليل على “الكورنيش” البالغ ثلاثة كيلومترات من أجمل المخازن والمقاهي في العالم، تذكرت أن كل هذه المنطقة كانت رمالا قبل عشر سنين.

خرجت دبي من أزمة 2008 العالمية بينما لا تزال أوروبا وأميركا غارقتين فيها. الناطحات تمحو من ذاكرتك صور دبي الماضي. لا أتحدث عن الستينات أو عن التسعينات، بل عن 2003. لا فوضى في الهندسة ولا فوضى في الأضواء ولا زعيق ولا زمامير عربية ترن في أذنيك ليل نهار. ولا لوحة تعلن أن الزمور ممنوع. هذا أمر يجب أن تعرفه قبل أن تركب الطائرة قادما إلى هنا.

وهل يستحق الأمر كل هذه الأهمية؟ سوف تعرف الفرق إذا كنت قادما من بيروت، أو القاهرة. وعندما ترى مدى ومستويات “التطبيقات الذكية” في آلة الحكم والإدارة، سوف تعرف مدى الفرق بين استخدام “الدرون” للخدمات وميغ فلاديمير بوتين لقصف المدارس. صرف 51 مليار دولار على “سوتشي” لكي يقول للعالم إنه قهر أهل القوقاز. سوتشي ليست المنطقة الأكثر جليدا في روسيا للدورة الشتوية، لكن الرجل الجليدي قرر أن يوزع عليها جليده. مندوبه في الأمم المتحدة يأكل جليدا ويشرب جليدا ولا يتفوه إلا بعبارات مثل سيبيريا. نسبة مالكي الثروات في روسيا اليوم هي نسبتهم أيام القيصر نيقولاي الثاني. فلنعد إلى هذه الدولة التي ترفع في القمة الحكومية شعار “السعادة” للمواطنين. منذ متى لم نسمع هذه الكلمة حتى في حكايات الأطفال؟ منذ متى، أنت العربي، اعتقدتَ أن السعادة شيء ليس لأهل الأرض؟ وبالتحديد ليس لأهل هذا الجزء منها، حيث يتوسل العرب، ومعهم العالم، أن يرضى الروس بقرار دولي لخروج أطفال سوريا من حصار سنتين في حمص؟

القمة الحكومية في دبي تعرض المدينة الذكية والبيت الذكي والمستشفى الذكي. والمحاضر الأميركي يقول إنك بألف دولار تشتري حاسوبا له قدرة الدماغ البشري. “إخوان” الإمارات قدموا عرضا آخر: الرؤية من ساحة رابعة العدوية. ألف عام إلى الماضي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث