كلهم شركاء في الجريمة

كلهم شركاء في الجريمة

فهمي هويدي

لابد أن يدهشنا أن تعذيب البشر في ظل الوضع المستجد غدا خبرا عاديا في وسائل الإعلام المصرية، بحيث ما عاد يفاجئ القارئ ولا يحرك شيئا لدى منظمات حقوق الإنسان، في حين يقابل بصمت وعدم اكتراث من جانب الأجهزة الأمنية، وبمضي الوقت صار الأمر مألوفا وأصبح القارئ يطالع أخبار التعذيب بعين ناعسة، وكأنه يقرأ إعلانات أفلام الموسم.

خلال الأسابيع الأخيرة ظلت بعض الصحف والمواقع الإلكترونية تتحدث عن أخبار التعذيب التي ينقلها الآباء والأمهات ويتحدث عنها المحامون، ذلك أنه بعد أحداث 25 يناير بوجه أخص التي قتل فيها أكثر من مائة شاب وفتاة وتم اعتقال نحو ألف شخص ارتفع منسوب القصص المنشورة، وهي التي ما برحت تروي عذابات الشباب والفتيات الذين تم اعتقالهم وجرى إيداعهم في مراكز الشرطة أو معسكرات الأمن المركزي، وعذابات الأهالي الذين يهانون أمام السجون حين يتوجهون لزيارة ذويهم، ويظلون يبحثون عنهم مرة في أبوزعبل ومرة ثانية في طرة وثالثة في سجن العقرب… إلخ، أما المحامون فلم يكونوا أفضل حظا من غيرهم، لانهم بدورهم لم يسلموا من الإهانة والتنكيل حين يتوجهون للقاء موكليهم. الأمر الذي يصور المدى الذي وصلت إليه استباحة كرامات البشر، وفي الوقت ذاته فإنه يعطى انطباعا قويا بأن الأجهزة الأمنية أطلقت أيديها في التعامل مع المعتقلين دون حسيب أو رقيب. في استعادة لفظاظة وجموح سلوك الشرطة في عهد مبارك والعادلي.

القصص التي يرويها الأهالي ويتناقلها النشطاء تصدمنا، إذ تتحدث عن شبان وفتيان حديثي السن ألقي القبض عليهم في ذكرى 25 يناير أو أثناء الاحتجاجات على قانون التظاهر، وبعضهم كان مجرد عابر في الطريق أو جالسا على مقهى. وأغلبهم ليس لهم أى لون سياسى ولكنهم حشروا حشرا في عربات الأمن المركزى، وكتب عليهم ان يخوضوا تجربة السجن، وأن يتعرضوا لأهوال التعذيب والترويع.

أحدهم خالد السيد نشرت له بوابة يناير وصفا لرحلة العذاب والترويع التي تعرض لها بعد القبض عليه. قال إنه وزميل له (ناجى كامل) أودعا قسم الأزبكية، الذي وصفه بأنه سلخانة، حيث كان التعذيب مستمرا فيه طوال اليوم، وضعوهم في غرفة صغيرة حيث ظلوا يسمعون منها صراخ المعذبين الذين كان ينقل إليهم الهلع والرعب. بعد قليل غطوا عينى صاحبنا وأدخلوه في غرفة أدرك من صراخ من فيها أنهم يصعقون بالكهرباء، قال له الضابط الذي لم يره أثناء صراخ الشباب إن ذنب هؤلاء “العيال” في رقاب “بتوع الثورة”، ولولاهم لكانوا مرتاحين في بيوتهم، أعادوه وأخذوا زميله ناجى كامل ليمر بنفس التجربة، الشباب الذين أعيدوا بعد ذلك إلى غرفة الحجز قالوا انهم أجبروا على خلع ملابسهم باستثناء الثياب الداخلية وانهم ضربوا وصعقوا بالكهرباء التي لم تستثن أعضاءهم التناسلية، وقال أكثر من واحد أنه تم الاعتداء عليه جنسيا. في سجن أبوزعبل التقى خالد شبابا أجبروا على الوقوف 16 ساعة متواصلة في قسم الأزبكية. ومن حل عليه التعب منهم كان يضرب ويشتم هو وأهله. حتى مرضى السكر والضغط حين يقعون مغشيا عليهم كانوا يجبرون على الوقوف بمجرد إفاقتهم.

من أبوزعبل قاموا بترحيلهم إلى قسم قصر النيل، هو وزملاؤه ناجى كامل ومحمد السايس وعبدالله محمد ــ وبعد وصولهم عرفوا أن ضابط المباحث (و.ع) كان يقوم بنفسه بضرب 70 شخصا محتجزين في زنزانة بالطابق الأرضى، هناك جاءهم أحد ضباط أمن الدولة وأمضى معهم 5 ساعات أفهمهم خلالها أنهم لن يخرجوا من السجن، وان ذنب كل المعتقلين في رقابهم.

بعد عشرة أيام تم ترحيلهم مرة أخرى إلى سجن أبوزعبل. وبمجرد دخولهم تمت سرقة كل ما كان بحوزتهم من ملابس وأدوية وطعام وبطانيات. مروا بحلقة أخرى من الأهوال، حيث أمروهم بخلع ثيابهم ثم أغرقوهم بالمياه وتركوهم يرتجفون من البرد لعدة ساعات، كل يوم كانوا يربطون أيديهم من الخلف وينهالون عليهم بالضرب المقترن بالشتائم المقذعة. في حين أن أى مقاومة من جانب الشخص المضروب كانت تقابل بمزيد من الضرب.

أضاف خالد السيد في رسالته المنشورة انه يوجد في سجن أبوزعبل عشرات المعتقلين منذ شهر يناير وهؤلاء يعذبون بشكل دورى، ولا يعرف عنهم أحد أى شىء، لا أهاليهم ولا محاموهم. علما بأن إدخال الأدوية للمحبوسين ممنوع حتى بالنسبة لأصحاب الأمراض المزمنة، ومن رابع المستحيلات ان يستدعى طبيب السجن لأى مريض، أو يحال المريض تحت أى ظرف إلى مستشفي السجن لإسعافه.

حين ذهب خالد إلى رئيس النيابة، مال نائب مأمور قسم الأزبكية على زميله محمد عبدالله، بعدما أدلى بشهادته، وقال له وهو يلف ذراعه حول رقبته: حين ترجعون إلى القسم ستلقون وعدكم.

هذه واحدة من عشرات الشهادات الموجودة على شبكة التواصل الاجتماعى، التي لم تحرك شيئا لا لدى منظمات المجتمع المدنى الحقوقية أو غير الحقوقية، ولا لدى وزارة الداخلية التي لم تكترث لا بالتحقيق في الوقائع المنشورة ولا في تصويب المعلومات أو حتى تكذيبها، أو الاعتذار عنها، ربما باعتبار أن المعلومات المذكورة أصبحت أمرا عاديا لا تستحق شيئا من ذلك.

الذي لا يقل غرابة عما سبق أن البرلمان الأوروبى حين أعرب عن إدانته لمثل تلك الممارسات فإن الخارجية المصرية اعتبرت موقفه مرفوضا شكلا وموضوعا، وقالت في بيانها إنه لا يحق للبرلمان أن يتدخل في الموضوع.

من كان يتصور أن يكون ذلك مصير شباب الثورة؟ ومن يصدق أن تقف كل مؤسسات الدولة متفرجة على ما يجرى؟ وهل يمكن ان تكون تلك من سمات مرحلة ما بعد 30 يونيو. ومقدمات الرئاسة الجديدة؟ ــ اننى اترك لغيرى أن يجيب، لكن ما استطيع قوله إن ما جرى ويجرى لأولئك الشباب جريمة تلوث بالعار صفحة كل الذين يتصدرون المشهد السياسى الراهن في مصر، ولا استثنى منهم أحدا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث