إسطنبول

إسطنبول
المصدر: سمير عطا الله

لإسطنبول صورة واحدة تقريبا في الأدب العالمي: المدينة الإمبراطورية. أُلوف المؤلفات بعشرات اللغات عن مدينة «الباب العالي» أو عن القسطنطينية، التي ظل محمد الفاتح يحاصرها ويخادعها حتى أوقع بها وجعلها عاصمة العثمانيين ورمز أمجادهم. الصورة الأخرى لإسطنبول، أي المدينة الحديثة العادية التي تعيش وتزدحم وتصخب مثل سائر المدن، لم يُكتب عنها الكثير. من أمتع ما كُتب السيرة الذاتية التي وضعها أورهان باموك، مازجا بين حياته وحياة مدينة البوسفور.

أراد باموك أن يكون رساما وقرر أن يترك الجامعة لينصرف إلى ذلك، لكن أمه أنّبته على الخيار: هل تريد أن تموت من الجوع؟ هذه مدينة جافة لا علاقة لها بالفنون. لقد مات كبار الرسامين جوعا في باريس، فكيف هنا؟ ترك الرسم ودرس الصحافة التي لم يمارسها يوما واحدا، بل انصرف منذ اللحظة الأولى إلى الرواية. ونجح منذ العمل الأول (أولاد جودت بك)، وقرر أن يَغرف أشخاصه وأبطاله من مدينته.

وجد منجما عميقا في الصحف وخصوصا عند كتّاب الزوايا الذين كانوا يدوّنون حياة المدينة وأخبارها، وأبرزهم أحمد راسم. لقد وجد في كتاباته فرحا مناقضا للمناخ السوداوي الذي غرق فيه الكتّاب والشعراء بعد سقوط الإمبراطورية وأفول معالم المجد والنفوذ. ترك أحمد راسم الماضي يمضي ولم يجلس وراء مكتبه يبكي الضياع، بل هو يحب هذه المدينة الآن ويحبها كما هي وليذهب التاريخ إلى التاريخ.

اصطدم أحمد راسم بالرقابة التي كانت تلاحق عموده بحيث يظهر أحيانا مساحة بيضاء كاملة. وتفاديا لهذه الغلبة اليومية ترك السياسة وانصرف إلى الكتابة عن حياة المدينة. وكان ذلك من حسن حظه وحظها وحظ باموك الذي يجد في كتاباته دليلا إلى ذكريات إسطنبول وسحرها.

«هكذا قضى أحمد راسم خمسين عاما يكتب عن كل ما يجري في إسطنبول. من ترنح السكارى إلى باعة الشوارع في الأحياء الفقيرة، من البقالين إلى المحتالين، من جمال البلدات على البوسفور إلى حاناتها وخاناتها الفظة، من الأخبار اليومية إلى أخبار التجارة، من متنزهات اللهو إلى الحدائق العامة، إلى أيام التسوق، إلى السحر الذي يميز كل فصل، إلى الشائعات السارية، إلى قوائم الطعام في المطاعم».

يسمي باموك كاتب عمود آخر هو علي البصير، ويقول إن «أعمدة المدينة» حلّت محل المؤرخين كمراجع فيما بعد. يقع «إسطنبول» (دار الانتشار العربي) في نحو 500 صفحة، مرفقة بصور لعائلة يبدو أنها كانت ميسورة، ولأم كانت وافرة الجمال، وجزءا من الأرستقراطية التركية المتأثرة، أوائل القرن الماضي، بالبورجوازية الفرنسية وعاداتها. حتى كتّاب الأعمدة، يقول باموك، كانوا متأثرين بآداب فرنسا، إلا أحمد راسم، فقد تمرد على الموجة السائدة وغرق في «تركية» الأشياء.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث